أبي منصور الماتريدي

517

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

غير أظهرهم في قبيلة أو في مكان لا يعرف له النسب ، ربما يتمكن فيه الطعن والعيب ، ويقع التناكر في نسبه ؛ لجهلهم بنسبه ومولده ومنشئه على السلامة والصحة والبراءة من العيوب ، فبعث رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم ؛ لئلا يتمكن فيه ما ذكرنا من المطاعن ، ولا يعرف شيء من العيوب والآفات التي ذكرنا فيه . وقال بعضهم : قوله : مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، [ أي ] « 1 » : من العرب أميا كما هم ، لا يكتب ولا يقرأ ولا يخطه بيمينه على ما وصفه في كتابه : النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ . . . [ الأعراف : 157 ] الآية ، وقال : وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت : 48 ] ، وذلك أن العرب تتمنى أن يبعث رسول منهم بقوله : لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [ فاطر : 42 ] ، ذكر مجيء الرسول من أنفسهم ؛ ليكون أبعد من المطاعن التي طعنوا فيه والآفات التي ذكروا فيه ، وأبرأه من العيوب التي رموه بها من نحو السحر والكهانة « 2 » والجنون والافتراء على الله ، و [ ليكون ] أقرب إلى المعرفة بأنه رسول ؛

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قال الله سبحانه وتعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ . قال عمر : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . وقال جابر : الطواغيت كهان ينزل عليهم الشيطان ، كان في كل حي واحد ، وقال عكرمة : الجبت بلسان الحبشة : شيطان ، والطاغوت : الكاهن ، وقيل : الجبت : كل ما عبد من دون الله عزّ وجل . وعن عائشة قالت : قلت يا رسول الله ، إن الكهان قد كانوا يحدثوننا بالشيء ، فيكون حقّا ، قال : « تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني ، فيقذفها في أذن وليه ، فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة » . هذا حديث متفق على صحته . وعن معاوية بن الحكم قال : قلت يا رسول الله ، منا رجال يتطيرون ؟ قال : ( ذلك شيء تجدونه في أنفسكم ، فلا يصدنكم ) قال : قلت : ومنا رجال يأتون الكهان ؟ قال : ( فلا تأتوهم ) قال : قلت : ومنا رجال يخطون ، قال ( خط نبي ، فمن وافق علمه علم ) . هذا حديث صحيح أخرجه مسلم . فالكاهن : هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ، ويدعي معرفة الأسرار ، ومطالعة علم الغيب ، وكان في العرب كهنة يدعون معرفة الأمور ، فمنهم من كان يزعم أن له رئيسا من الجن ، وتابعة تلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه ، والعراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها ، كالمسروق من الذي سرقها ، ومعرفة مكان الضالة ، وتتهم المرأة بالزنى ، فيقول من صاحبها ، ونحو ذلك من الأمور ، ومنهم من يسمي المنجم كاهنا . وقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « من اقتبس علما من النجوم ، اقتبس شعبة من السحر » . قال الإمام : والمنهي من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث التي لم تقع في مستقبل الزمان ، مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح ، ومجيء المطر ، ووقوع الثلج ، وظهور الحر والبرد ، وتغير الأسعار ونحوها ، يزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب ، واجتماعها وافتراقها ، وهذا علم استأثر الله عزّ وجل به لا يعلمه أحد غيره ، كما قال الله سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ لقمان : 34 ] . فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال ، وجهة القبلة ، فإنه غير داخل فيما نهي عنه ؛ قال الله سبحانه وتعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الأنعام : 97 ] وقال جل ذكره : وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ -