أبي منصور الماتريدي

518

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لأن ما يأتي به من الآيات والحجج يعرفون أنها سماوية ؛ لما عرفوا أنه لم يتعلم السحر ولا أخذوا عليه بكذب قط ولا جن قط بما كان منشؤه فيما بين أظهرهم . وقوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ . قيل : شديد عليه ما أعنتكم « 1 » ، أي : ما ضيق عليكم وضركم . وقال القتبي : العنت : الضيق . وقال بعضهم « 2 » : العنت : الإثم ، أي : شديد عليه ما أثمتم . وقال أبو عوسجة : هو إلى الإثم أقرب . وهو يحتمل كل إثم : الكفر وغيره . حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ . قال بعضهم « 3 » : حريص على من لم يسلم أن يسلم ، وحريص عليكم بالهدى والرشد . بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ : رحمة الدين والإسلام ، لا رحمة الطبع . قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله - في قوله : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ : سماه بفعله العمل الحسن وبرأفته ورحمته بذلك ، أي : استحق ذلك الاسم بفعله ، وإنما سماه بذلك ؛ لأن عمله كان لله لم يكن عمل لنفسه شيئا ، وكذلك ماله وأكسابه ؛ فلذلك لم يكن ماله ميراثا بين ورثته . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ تَوَلَّوْا . أي : أعرضوا عن إجابتك ودعائك إياهم إلى الإيمان والتوحيد . فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ . أي : يكفيني الله لا إله إلا هو . ويحتمل قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا : عنك ، وردّوا إجابتك والطاعة لك والانقياد وهمّوا أن يكيدوك ويمكروا بك ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، أي : على ما وعدني من النصر والظفر تَوَكَّلْتُ ، أي : اتكلت على وعده ووكلت أمري إليه « 4 » . ويحتمل قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا : عن نصرك ومعونتك على الأعداء ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ في النصر والمعونة على الأعداء يكفيني عليهم . هذا في الموضع أقرب ؛ لأنه ذكر على أثر ذكر المنافقين ، ويحتمل ما ذكرنا من الإعراض عن التوحيد والإجابة . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . قيل : هو رب الملك العظيم ، أي : كل ملك عند ملكه صغير ليس بملك . فإن كان العرش هو السرير على ما قاله بعض أهل التأويل - والله أعلم - [ فهو ] السرير الذي يكرم به الأخيار من الخلائق والأبرار منهم ، وقد ذكرناه فيما تقدم « 5 » ، والله أعلم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

--> - [ النحل : 16 ] فأخبر الله سبحانه وتعالى أن النجوم طرق لمعرفة الأوقات والمسالك ، ولولاها لم يهتد النائي عن الكعبة إلى استقبالها ، روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : ( تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق ، ثم أمسكوا ) وروي عن طاوس ، عن ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد ، وينظرون في النجوم قال : ما أدري من فعل ذلك له عند الله من خلاق . ينظر : شرح السنة ( 6 / 275 - 278 ) . ( 1 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 529 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس . وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 342 ) . ( 2 ) ذكره بمعناه أبو حيان في البحر ( 5 / 121 ) ونسبه للضحاك . ( 3 ) أخرجه ابن جرير 6 / 523 ( 17525 ) عن قتادة . وذكره بمعناه البغوي في تفسيره ( 2 / 342 ) . ( 4 ) في أ : إلى الله . ( 5 ) في سورة الأعراف آية ( 54 ) .