أبي منصور الماتريدي
504
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والتوبة من الله تعالى تخرج على وجوه : أحدها : التوفيق وفقهم للتوبة وأكرمهم بها ؛ كقوله : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [ التوبة : 118 ] أي : وفقهم للتوبة فتابوا . والثاني : التوبة منه قبولها منهم ، أي : يقبل منهم التوبة ؛ كقوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ التوبة : 118 ] . والثالث : تابَ عَلَيْهِمْ ، أي : تجاوز عنهم وعفا وصفح عنهم . على هذه الوجوه الثلاثة تخرج إضافة التوبة إلى الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ . قيل « 1 » : في عسرة النفقة وعسرة الظهر . وقوله - عزّ وجل - : مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ . ذكر في بعض القصة « 2 » أنه قد أصابهم من الجهد والشدة حتى أن الرجلين يقسمان التمرة بينهما ، وكانوا يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها الماء ، ثم يمصها هذا ، ذكر نحو هذا ، ولكن لا ندري كيف كان الأمر سوى أنه أخبر أن قلوبهم كادت تزيغ من الجهد . وقوله - عزّ وجل - : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . [ قال بعضهم : خلفوا ] « 3 » عن التوبة ؛ نحو قوله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [ التوبة : 117 ] . فكانوا يبتهلون ويدعون الله حتى تاب الله عليهم فتابوا . وقال قائلون : خلفوا عن رسول الله لما تقدمهم القوم ، فهم المخلفون بتقدم أولئك . وقال قائلون : خلفوا خلفهم الله ، أي : خلفهم . ويشبه أن يكون قوله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا هم الذين تخلفوا فخلفهم رسول الله ، وهو ما ذكرنا . وقوله : حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 502 ) ( 17438 ) عن محمد بن عقيل ( 17441 ) عن محمد ابن عقيل عن جابر . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 512 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في الدلائل عن محمد بن عقيل . - ولابن مردويه وابن المنذر عن جابر . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 502 ) ( 17439 ) عن مجاهد ( 17442 ) عن قتادة . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 511 ) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة . ( 3 ) سقط في أ .