أبي منصور الماتريدي

505

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل هذا على التحقيق ، ويحتمل أن يكون على التمثيل . وللتحقيق وجهان : أحدهما : ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ : ما ذكر أنهم شدوا أنفسهم بالسواري « 1 » والأسطوانات « 2 » ، وأتوا بأموالهم التي منعتهم عن الخروج مع رسول الله ، وتصدقوا بالأرضين التي منعتهم عن الخروج ، وضاقت عليهم الأرض بعد ما كانت عليهم متسعة يتسعون فيها ؛ لأنه ذكر في القصة أن واحدا من هؤلاء ممن حبسته أرضه عن الخروج فتصدق بها على الفقراء ، وكان له التوسع بتلك الأرض ثم ضاقت عليه . والثاني : ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ : لما حبسوا أنفسهم عن أراضيهم ، وتركوا شهواتهم وأمانيهم وما يتلذذون به ؛ ذلك ضيق الأرض . وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ : لما شدوا أنفسهم بالأسطوانات . ويحتمل أن يكون على التمثيل ؛ وذلك أن الخوف إذا اشتد بالإنسان وبلغ غايته حتى يمنعه عن القرار في الأرض والتلذذ فيها يقال : ضاقت عليه الأرض بسعتها ، وضاقت عليهم أنفسهم ؛ لما ذكر كان الناس لا يكلمونهم ولا يخالطونهم ولا يبايعونهم ولا يكلمهم أهاليهم . وقوله - عزّ وجل - : وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ . قال بعضهم : ظنوا أن لا نجاة من عقوبة الله إلا عفوه ، أي : أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا احتراز [ لهم ] « 3 » من عقابه . وقيل : ظنوا « 4 » أن لا ملجأ من عذاب الله إلا إلى رحمته . وقيل : وظنوا أن لا ملجأ من رسول الله [ إلا إلى الله ؛ لأنه ذكر أنهم سألوا رسول الله ] « 5 » التجاوز عن ذلك فلم يجبهم ، فأيقنوا عند ذلك أن المفزع والملجأ إلى الله لا إلى أحد دونه . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ . أي : وفقهم للتوبة فتابوا .

--> ( 1 ) جمع سارية ، وهي الأسطوانة أو العمود . ينظر : المعجم الوسيط ( سرى ) . ( 2 ) انظر التعليق السابق . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : فظنوا . ( 5 ) سقط في أ .