أبي منصور الماتريدي

497

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن رب العالمين « إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده . وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى . ولو أفقرته لأفسده » وأما اختلافها بحسب الأحوال والأزمان فإنا نرى الشدة والغلظة نافعة في زمان دون زمان لا ينفع فيه إلا المدارة والمساهلة . ومثل ذلك المريض يكون تناول الدواء مفيدا له حين مرضه ، فيأمره الطبيب بتناوله ، ويكون مضرّا له بعد سلامته فينهاه الطبيب عنه حينئذ ، أو كالغذاء الجيد لا تتحمله معدة المريض الضعيف فينهى عنه ، فإذا شفي من مرضه وسلمت معدته واحتاج إلى ما يعيد قوته حتم عليه الطبيب تناول ما كان يمنعه عنه ، واعتبر ذلك في تربية الطفل يعطى من الغذاء الخفيف ما يناسبه حتى إذا شب زيد له من متين الغذاء بمقداره ، ومنع من رضاع أمه ، إذ كان ذلك لا يناسبه بعد كبره . شبه المنكرين للجواز عقلا : الشبهة الأولى : إن كان النسخ لحكمة ظهرت للناسخ الآن ولم تكن ظاهرة من قبل ، فالنسخ بداء وجهل بعواقب الأمور ، وإن لم يكن لحكمة ظهرت فعبث من غير فائدة ، وكلاهما محال على الله جل شأنه . الرد على هذه الشبهة : أسلفنا أن المصلحة قد تتجدد بتجدد الأحوال ، والحاكم كان يعلم من الأزل أن المصلحة تتجدد ، فإن الكلام فيما ليس بحسن ولا قبيح لذاته وأما ما هو حسن لذاته أو قبيح كذلك فلا يقبل النسخ عندنا أيضا فلا بداء . فإن أريد بالظهور الظهور للحاكم بعد الجهل فنختار أنه لم يظهر الآن بل كان ظاهرا له من الأزل ، ولا يلزم العبث فالملازمة الثانية ممنوعة . وإن أريد به الوجود في الفعل واتصافه به فلزوم البداء ممنوع ، كيف وأنه كان يعلم من الأزل أنه تجدد مصلحة فيه . الشبهة الثانية : أن الخطاب المنسوخ حكمه إما أن يكون مؤقتا أو هو دال على التأبيد ، فإن كان الأول فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت ؛ كمن يقول : ( صم إلى الغد ) ثم يقول : ( في الغد لا تصم ) ؛ إذ الثاني ليس رفعا للأول لانتهاء الأول بانتهاء وقته ، وإن كان الثاني فهو محال من ثلاثة أوجه الأول : التناقض فإن التأبيد يقتضى بقاء الحكم إلى الأبد والنسخ ينافيه . الثاني : أن يلزم منه ألا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير إرادة التأبيد ، وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد وهو محال . الثالث : أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم ولم تقولوا به . الرد على هذه الشبهة : يرد على هذه الشبهة بأن حصر الحكم بين كونه مؤقتا أو مؤبدا غير مسلم ؛ بل الحكم الأول مطلق عن الغاية وقيد التأبيد ، فلا يمتنع جواز نسخه إذ لا دلالة لفظية على امتناعه ؛ فإن التوقيت والتأبيد والبقاء والاستمرار غير داخل في المطلق . وبقاء التعلق والوجوب وعدم بقائهما غير مستفاد من الصيغة ، بل إن النسخ مشروع فيما هذا شأنه ولو سلم الحصر فنختار أنه مقيد بالتأبيد ، ولا يمتنع النسخ أيضا إن جعل التأبيد قيدا للفعل الواجب لا للوجوب ؛ إذ لا تناقض بين دوام الفعل وعدم دوام الحكم المتعلق به ؛ كصوم رمضان أبدا فإن التأبيد قيد للصوم الذي هو الفعل الواجب ، لا لإيجابه على المكلف ؛ لأن الفعل إنما يعمل بمادته لا بهيئته ، ودلالة الأمر على الوجوب بالهيئة لا بالمادة ، فيكون الرمضانات كلها متعلق الوجوب من غير تقييد للوجوب بالاستمرار إلى الأبد ، فلم يكن رفع الوجوب وهو عدم استمراره مناقضا للوجوب في الجملة ، ولو سلم أنه قيد للوجوب وهو الظاهر كما في النهي فإنه يفيد التأبيد فلا يمتنع النسخ ؛ -