أبي منصور الماتريدي

498

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - لأن الحكم المؤبد وإن كان ظاهرا في البقاء لكن الناسخ نص في الارتفاع وكم من ظاهر يترك بالنص . وإذا تقرر ذلك فلا يرد الوجهان الأولان ، نعم الممتنع أن يجعل التأبيد قيدا للوجوب بأن يخبر أن الوجوب ثابت أبدا ثم ينسخ فيأتي زمان لا وجوب فيه . وما ذكروه من الوجوه إنما يبطل هذا القسم ومثله غير واقع ، ولا النزاع حاصل فيه . وما ذكروه في الوجه الثالث من جواز نسخ شريعتنا فغير صحيح ؛ لأنا لا نمنع من جوازه فيها عقلا ولكن نمنع وقوعه فيها شرعا والمدعى الأول . الشبهة الثالثة : أنه لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه : فإما أن يكون رفعه قبل وجوده ، أو بعد عدمه ، أو حال وجوده ، والكل محال . أما الأول فلأن رفعه يقتضي سابقة وجوده ؛ لأن العدم الأصلي لا يكون ارتفاعا والغرض أنه لم يوجد . وأما الثاني فلأن رفع المعدوم ممتنع لما يلزم عليه من تحصيل الحاصل . وأما الثالث لما يلزم عليه من اجتماع النفي والإثبات فيوجد حين لا يوجد . الجواب على هذه الشبهة : ليس المراد من نسخ الحكم رفعه وإزالته بالكلية ، إنما المراد امتناع استمرار المنسوخ وأنه لولا الخطاب الدال على الارتفاع لاستمر ، وذلك لا يلزم عليه شيء مما قيل . أو يقال : إن الشبهة تتجه أن لو كان المراد من الرفع رفع الفعل ، ونحن لا نقول بذلك ، بل المراد من النسخ زوال التعلق بطبيعة الفعل التي توجد بتوارد الأفراد الذي كان مستمرّا لولا المزيل كما يزول هذا التعلق بالموت لا أن الفعل يرتفع بالنسخ فأين هذا من ذاك ؟ ! إثبات وقوعه شرعا : اتفق أهل الملل قاطبة على وقوع النسخ شرعا لا فرق في ذلك بين شريعة وشريعة . وخالف في ذلك أبو مسلم الأصفهاني من المسلمين وطائفة من اليهود وملاحدة هذا العصر . والأدلة الآتية كافية في إثباته على كل من الفريقين . ولنبدأ بالأدلة القامعة لأفكار اليهود والملاحدة ثم بالأدلة على أبي مسلم . الأدلة القامعة لإنكار اليهود : الدليل الأول : أنه ورد في التوراة أن الله تعالى أمر آدم بأن يزوج بناته من بنيه ؛ روى الطبراني عن ابن مسعود وابن عباس : « كان لا يولد لآدم غلام إلا ولدت معه جارية ، فكان يزوج توأمة هذا للآخر ، وتوأمة الآخر لهذا » . وقد حرم ذلك في الشرائع التي بعدها بالاتفاق بيننا وبينكم أيها اليهود وهذا هو النسخ . الدليل الثاني : ورد في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند الخروج من الفلك : ( جعلت كل دابة حية مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ) ثم حرم منها كثير على لسان موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما في السفر الثالث من التوراة ، فلزم القول بالنسخ . فإن قال الخصم في هذين الدليلين : ( يحتمل أن أمر آدم والإباحة لنوح وذريته كانا مطلقين بظهور شريعة من بعده ) قلنا : ( الأمر لآدم والإباحة لنوح كانا مطلقين والأصل عدم التقييد ) . . وإن قيل : ( إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى ) . . قلنا : ( هذا هو النسخ بعينه ) فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا فهو عالم بأنه سينسخه ، ويعلم وقت نسخه . . فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ . -