أبي منصور الماتريدي

489

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي ذكر . وقوله - عزّ وجل - : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ . . . إلى آخره . قال بعضهم : [ هو ] على الصلة بالأول فيما ذكر من الشرى والوعد لهم الجنة إذا كانوا على الوصف الذي ذكر . وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي - رضي الله عنهما - : إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين الحامدين ، على الصلة بالأول بالكسر إلى قوله : وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ، قرءاها : والقائمين على حدود الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . ومنهم من قال على الابتداء بالرفع « 1 » : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ . . . إلى آخره . ويشبه أن يكون الشراء الذي ذكر في أول الآية وما وعد لهم ببذل أنفسهم وأموالهم في الجهاد ، يكون ذلك أيضا في غيره من الطاعات والخيرات ، من بذل نفسه لله فيما ذكر من العبادة له والجهد ، وما ذكر في الآية - فهو بائع نفسه منه ؛ كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [ البقرة : 207 ] ونحوه . وقوله : التَّائِبُونَ . يحتمل : التائبون من الشرك ، أو من جميع المعاصي .

--> - بالتراضي السابق . وهذا قول الشيخ أبي حامد الأسفرائيني . وأنكروه عليه وأوردوا عليه سائر العقود الفاسدة فإنه لا يراه فيها وإن وجد التراضي . قال المتولي : ولأن إسقاط الحقوق طريقه اللفظ كالعفو عن القصاص والإبراء من الديون ، فإن أقمنا التراضي مقام اللفظ في الإسقاط ، وجب أن نقيمه مقامه في انعقاد البيع . ينظر : الحصن المنيع في أركان البيع لفرج علوان ص ( 24 ) . ( 1 ) قلت : فيها خمسة أوجه : أحدها : أنه مبتدأ وخبره ( العابدون ) وما بعده أوصاف ، أو أخبار متعددة عند من يرى ذلك . الثاني : أن الخبر قوله : ( الآمرون ) . الثالث : أن الخبر محذوف ، أي : التائبون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة ، أي من لم يجاهد غير معاند ، ولا قاصد لترك الجهاد فله الجنة ، قال الزجاج : وهو حسن ، كأنه وعد الجنة لجميع المؤمنين ، كقوله : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [ النساء : 95 ] ، ويؤيده قوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 223 ] ، وهذا عند من يرى أن هذه الآية منقطعة مما قبلها وليست شرطا في المجاهدة . وأما من زعم أنها شرط في المجاهدة ، كالضحاك وغيره فيكون إعراب التائبين خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم التائبون ، وهذا من باب قطع النعوت ، وذلك أن هذه الأوصاف عند هؤلاء القائلين من صفات المؤمنين في قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، ويؤيد ذلك قراءة أبي ، وابن مسعود ، والأعمش ( التائبين ) بالياء ، ويجوز أن تكون هذه القراءة على القطع أيضا ؛ فيكون منصوبا بفعل مقدر ، وقد صرح الزمخشري ، وابن عطية بأن التائبين في هذه القراءة نعت للمؤمنين . الخامس : أن ( التائبون ) بدل من الضمير المتصل في ( يقاتلون ) . ينظر : اللباب ( 10 / 218 ) .