أبي منصور الماتريدي

478

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

منه ، فقال للمنافقين : ابنوا مسجدا واستعدوا ، فإني ذاهب إلى قيصر « 1 » بالشام ، [ فآتي

--> - وقيل : هو مسجد المدينة . قال : والحق أن كلا منهما أسس على التقوى . وقوله تعالى في بقية الآية : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا يؤكد أن المسجد مسجد قباء . قال الداودي وغيره : ليس هذا اختلافا ، فإن كلّا منهما أسس على التقوى ، وكذا قال السهيلي وزاد أن قوله : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يقتضي مسجد قباء ؛ لأن تأسيسه كان من أول يوم وصل النبي صلى اللّه عليه وسلم دار الهجرة . وروى ابن أبي شيبة ، عن هشام عن عروة عن أبيه قال : كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها : ليّة كانت تربط حمارا لها فيه ، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدا ، فقال أهل مسجد الضرار : نحن نصلي في مربط حمار ليّة ؟ لا لعمر الله ، لكنا نبني مسجدا فنصلي فيه ، وكان أبو عامر برئ من الله ورسوله ، ولحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها ، فأنزل الله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً قال ابن النجار : هذا المسجد بناه المنافقون مضاهيا لمسجد قباء ، وكانوا مجتمعين فيه يعيبون النبي صلى اللّه عليه وسلم ويستهزءون به ، وقال ابن عطية : روي عن ابن عمر أنه قال : المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والمراد بقوله : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ هو مسجد قباء ، وأن البنيان الذي أسس على شفا جرف هار فهو مسجد الضرار بالإجماع . قال ابن إسحاق : وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد ، ومعتب ابن قشير من بني ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد ، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف ، وجارية بن عامر ، وابناه مجمع بن جارية وزيد بن جارية ، ونفيل بن الحرث من بني ضبيعة ، وبحزج بن عثمان من بني ضبيعة ، ووديعة بن ثابت من بني أمية بن عبد المنذر . وقال بعضهم : إن رجالا من بني عمرو بن عوف وكان أبو عامر المعروف بالراهب - وسماه النبي صلى اللّه عليه وسلم بالفاسق - منهم ، فدعا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي - زاد البغوي : وعامر بن السكن ووحشي قاتل حمزة ، زاد الذهبي في التجريد : سويد بن عباس الأنصاري - فقال : ( انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فهدموه وحرقوه ) فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف ، فقال مالك لرفيقيه : أنظراني حتى أخرج إليكما ، فدخل إلى أهله وأخذ سعفا من النخيل فأشعل فيه نارا ، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوا المسجد بين المغرب والعشاء ، وفيه أهله وحرقوه وهدموه حتى وضعوه بالأرض وتفرق عنه أصحابه ، فلما قدم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذه دارا ، فقال عاصم : يا رسول الله ، ما كنت لأتخذ مسجدا قد أنزل الله فيه ما أنزل دارا ، ولكن أعطه ثابت بن أقرم فإنه لا منزل له ، فأعطاه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ثابت بن أقرم . فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ، ولم ينعق فيه حمام قط ، ولم تحضن فيه دجاجة قط . وروى ابن المنذر عن سعيد بن جبير ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن قتادة ، وابن المنذر عن ابن جريج - رحمهم الله تعالى - قالوا : ذكر لنا أنه حفر في مسجد الضرار بقعة فأبصروا الدخان يخرج منها . ينظر : سبل الهدى والرشاد ( 5 / 674 - 677 ) . ( 1 ) القياصرة : كان يقال لكل من ملك منهم قيصر : وأصل هذه اللفظة في اللغة الرومية جاشر بجيم وشين معجمة فعربتها العرب قيصر ، ولها في لغتهم معنيان : أحدهما الشعر ، والثاني الشيء المشقوق . واختلف في أول من تلقب بهذا اللقب منهم : فقيل أغانيوش أول ملوك الطبقة الثانية منهم ، سمي -