أبي منصور الماتريدي

477

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين ، فأطلع الله نبيه على ما أسرّوا ؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . أي : بنوا ذلك المسجد إرصادا لمن حارب الله ورسوله . قال عامة أهل التأويل « 1 » : هو أبو عامر « 2 » ؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله ، ثم فرّ

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 471 ) عن كل من : - ابن عباس ( 17203 ) . - مجاهد ( 17204 - 17207 ) . - سعيد بن جبير ( 17210 ) . - قتادة ( 17211 ) . - الضحاك ( 17212 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 294 ) وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس . - ولابن المنذر عن سعيد بن جبير . - ولابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 2 ) روى ابن إسحاق عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طريق آخر ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس - رضي الله عنهم - وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر عن ابن عباس ، وابن المنذر عن سعيد بن جبير ومحمد بن عمر عن يزيد بن رومان - رحمهم الله تعالى - أن بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا فبعثوا إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يأتيهم فيصلي فيه ، فلما رأى ذلك ناس من بني غنم بن عوف فقالوا : نبني نحن أيضا مسجدا كما بنوا ، فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام : ابنوا مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من قوة وسلاح ؛ فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجيش من الروم فأخرج محمدا وأصحابه . فكانوا يرصدون قدوم أبي عامر الفاسق ، وكان خرج من المدينة محاربا لله تعالى ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم فلما فرغوا من مسجدهم أرادوا أن يصلي فيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ليروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد ، فعصم الله تبارك وتعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم من الصلاة فيه ، فأتى جماعة منهم لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو يتوجه إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله إنا بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه قال : « إني على جناح سفر وحال شغل ، وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا لكم فيه » فلما رجع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من غزوة تبوك ونزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - أنزل الله سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً . . . الآية . روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - في قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً هم أناس من الأنصار ، ابتنوا مسجدا ، فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم ، فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه . فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : فرغنا من بناء مسجدنا ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة ، فأنزل الله عزّ وجل : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ - يعني مسجد قباء - أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ إلى قوله : عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قال الحافظ ابن حجر : والجمهور على أن المسجد المراد به المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء ، -