أبي منصور الماتريدي
476
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ . عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن المنافقين اتخذوا مسجدا ، فلما فرغوا منه جاءوا إلى نبي الله وهو يتجهز لغزوة تبوك ، فقالوا : يا رسول الله ، بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ، والليلة المطيرة ، [ و ] « 1 » إنا نحب يا رسول الله أن تأتينا فتصلي فيه ، قال رسول الله : « إنا على سفر وحال شغل ، ولو قدمنا من سفرنا أتيناكم فصلينا لكم فيه إن شاء الله » ، فأنزل الله على رسوله : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً . . . الآية ؛ أخبر فيه أنهم لم يقصدوا ببناء مسجدهم ذلك ما ذكروا : إنا بنينا [ مسجدا ] لذي العلة والحاجة ، والليلة المطيرة ، والإشفاق على الدين ، وحفظ الصلاة بالجماعة « 2 » ، ولكن يقصدون به ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين . وقوله : ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ . يكون قوله : وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ تفسيرا لقوله : [ ضِراراً ] « 3 » يقصدون ببناء المسجد الذي بنوا ريبة أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله ، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين ، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم ، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين . روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لن يغلب اثنا عشر ألفا كلمتهم واحدة » « 4 » . وقوله : وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [ آل عمران : 103 ] جعل الاجتماع في الدين « 5 » نعمة ، ونهاهم عن التفرق وهم كانوا يقصدون قصد التفريق بينهم ؛ لما ذكرنا ، أو كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله ، فيلبسوا عليهم الدين ؛ لأنهم كانوا أهل لسان وجدل ، وذلك كله كفر على ما ذكر . وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه معلوم أنهم أسرّوا وأضمروا فيما بينهم
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 469 - 472 ) ( 17201 ، 17202 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 494 ) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) أخرجه بمعناه أحمد في المسند ( 1 / 294 ، 299 ) ، وأبو داود ( 2 / 42 - 43 ) كتاب الجهاد باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا ( 2611 ) وقال : والصحيح أنه مرسل ، والترمذي ( 3 / 214 ) في أبواب السير باب ما جاء في السرايا ( 1555 ) وقال : حسن غريب ، وعبد بن حميد ( 652 ) وابن خزيمة ( 2538 ) وأبو يعلى ( 2587 ) والطحاوي في مشكل الآثار ( 572 ) وابن حبان ( 4717 ) والحاكم ( 1 / 443 ، 2 / 101 ) والبيهقي ( 9 / 156 ) . ( 5 ) في أ : الدنيا .