أبي منصور الماتريدي

47

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . قال بعضهم : غضب من ربهم : عذاب في الآخرة لمن مات منهم على ذلك ، وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا القتل والهلاك في الدنيا . وقال بعضهم : قوله : غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ : القتل ، والهلاك ، وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الجزية والسبي « 1 » والقهر . ويحتمل قوله تعالى : وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ذكر الذم بصنيعهم وثناء الشر ، على ما كان « 2 » بصنيع الخير المحمدة في الدنيا وثناء الخير « 3 » . وقوله - عزّ وجل - : سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ . هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أي : قد نالهم غضب من ربهم ؛ لما ذكر . والثاني : أن يكون هذا مذكورا في كتبهم أن من اتخذ العجل معبودا سينالهم غضب من ربهم ، فإن كان هذا خبرا عما في كتبهم ، فسينالهم على الوعد الصحيح « 4 » ، وإلا على الخبر ، أي « 5 » : قد نالهم . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ . أي : كذلك نجزي كل مفتر على الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا . قال أهل التأويل : قوله : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ يعني : الذين عبدوا العجل . ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وهو : في كل من عمل السيئات - أي سيئة كانت - إذا تاب عنها ، وندم عليها ، وطلب من الله المغفرة ، غفر له .

--> ( 1 ) السبي والسباء ، لغة : الأسر ، يقال : سبى العدو وغيره ، سبيا وسباء : إذا أسره ، فهو سبيّ ، على وزن « فعيل » للذكر . والأنثى : سبيّ وسبيّة ومسبيّة ، والنسوة : سبايا ، وللغلام : سبيّ ومسبيّ . أما اصطلاحا : فالفقهاء في الغالب يخصون السبي بالنساء والأطفال ، والأسر بالرجال . ففي الأحكام السلطانية : الغنيمة تشتمل على أقسام : أسرى ، وسبي ، وأرضين ، وأموال ، فأما الأسرى فهم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بهم أحياء ، وأما السبي فهم النساء والأطفال . وفي مغنى المحتاج : المراد بالسبي : النساء والولدان . ينظر : لسان العرب ( سبى ) ، والمصباح المنير ( سبى ) ، والأحكام السلطانية للماوردي ( 131 - 134 ) ، ومغني المحتاج ( 4 / 227 ) . ( 2 ) زاد في ب : و . ( 3 ) في ب : الحسن . ( 4 ) في ب : صحيح . ( 5 ) في ب : أن .