أبي منصور الماتريدي
46
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مسح رأسه ثم أزال شعره ، لم يسقط عنه حكم المسح ، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت زال عنه حكمه « 1 » ، ولزم غسل ذقنه ؛ لما سمى الشعر رأسا ، وسمى اللحية لحية ، وسقوطها يسقط حكم المسح ، وسقوط شعر الرأس لا . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي . خرج هذا صلة قول موسى لهارون لما قال له : يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي [ طه : 92 - 93 ] ، فقال عند ذلك : إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وقوله - عزّ وجل - : قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي . قال بعضهم : إنما خصّ أخاه بسؤال المغفرة ؛ لأنهم جميعا قد عبدوا العجل سوى أخيه هارون ؛ لذلك خصّه بسؤال المغفرة . وقال بعضهم : إنما قال ذلك جوابا عما قال هارون : فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ . . . الآية . ويحتمل أن يكون تخصيص السؤال له بالمغفرة لما سأل ربه أن يجعل هارون له وزيرا بقوله : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [ طه : 29 - 32 ] ، لما سأل ربه أن يشركه في أمره ، ويشد به أزره « 2 » ، فعلى ذلك خصّه بسؤال المغفرة . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . لأن كل من يرحم دونه إنما يرحم برحمته . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ . أي : عبدوا العجل .
--> ( 1 ) قال في بدائع الصنائع ( 1 / 33 ) : من توضأ ثم جز شعره أو قلم ظفره أو قص شاربه أو نتف إبطه لم يجب عليه إيصال الماء إلى ذلك الموضع عند عامة العلماء . ( 2 ) الأزر : القوة الشديدة ، قال تعالى : اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [ طه : 31 ] أي : قوني به . وآزرته : قويته ، قال : فَآزَرَهُ [ الفتح : 29 ] قواه . وتأزر النبت : طال وقوي ، وعليه قوله : فلا أب وابنا مثل مروان وابنه * إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وأزرت البناء وآزرته : قويت أسه ، وأصل ذلك من شد الإزار وتقويته ؛ يقال : إزار وإزارة ومئزر ، ومنه تسمية المرأة : إزارا ، كقوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ [ البقرة : 187 ] . وفي الحديث : « لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا » وفلان طاهر الإزار ، يكنى به عن ذلك أو عن عقبه . وقال آخر : ألا أبلغ أبا حفص رسولا * فدى لك من أخي ثقة إزاري ينظر : عمدة الحفاظ ( 1 / 95 ، 96 ) ، واللسان ( أزر ) ، والنهاية ( 1 / 45 ) .