أبي منصور الماتريدي
456
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والحجج ، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة ، فهؤلاء أقسى قلوبا وأضيق صدورا وأهل المدن والأمصار [ ألين قلوبا وأوسع صدورا ، فهم أسرع للإجابة وأولئك أبعد وأبطأ إجابة . والثاني : أنهم وصفوا بأهل الجهل ما لم يوصف أهل المدن والأمصار ] « 1 » بذلك ما روي عن نبي الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يؤمنكم أعرابي » ، وفي بعضها « 2 » : « لا يؤمن أعرابي مهاجرا » ، وفي بعض الأخبار « 3 » : « من بدا جفا » ؛ وذلك - والله أعلم - لأنهم كانوا لا يدخلون الأمصار والمدن ليتأدبوا ويتعلموا « 4 » الآداب ، فإذا كانوا كذلك فهم أجهل ، والإيمان هو التصديق ، والتصديق إنما يكون بعد العلم ؛ لأنه ما لم يعلم لم يصدق ، فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا ، كانوا أشد إنكارا وتكذيبا من غيرهم ، وهو ما ذكر : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [ التوبة : 97 ] ، وصفهم بالجهل ، وبالجهل يكون التكذيب ، وبالعلم يكون التصديق ، وهو ما ذكرنا . وأجدر وأخلق وأحرى واحد . وقوله - عزّ وجل - : حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ . قال بعضهم « 5 » : هم أقل علما بالسنن . وقيل « 6 » : بالفرائض . ويقال : الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته . وأصله : أنهم أهل جهل بجميع الأوامر ، والمناهي ، وجميع الآداب ، وما لا يحل وما يحل . وَاللَّهُ عَلِيمٌ .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 1081 ) ، وعبد بن حميد ( 1136 ) ، وأبو يعلى ( 1856 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 3 / 171 ) عن جابر مطولا . ( 3 ) هذا الحديث روي عن كلّ من : - أبي هريرة أخرجه عنه أحمد في المسند ( 2 / 371 ، 440 ) . - البراء بن عازب أخرجه عنه أحمد في المسند ( 4 / 297 ) . - ابن عباس أخرجه عنه أبو داود في سننه ( 2 / 124 ) كتاب الصيد باب في اتباع الصيد ( 2859 ) . ( 4 ) في ب : ويتعلمون . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 450 ) ( 17107 ) عن قتادة وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 481 ) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة . ( 6 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 481 ) وعزاه لأبي الشيخ عن الضحاك . وكذا ذكره أبو حيان في البحر ( 5 / 94 ) .