أبي منصور الماتريدي

455

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لا يصلحون أبدا ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . وقوله - عزّ وجل - : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ . وتقبلوا « 1 » منهم ما يظهرون من العذر ، ثم أخبر أنكم إن رضيتم عنهم وقبلتم ما يذكرون من عذرهم فإن الله لا يرضى عنهم ؛ لما يعلم أنه لا عذر لهم فيما يظهرون لكم من العذر ، والله أعلم . ليس على النهي عن إرضاء أولئك ؛ لأن إرضاء الخلق بعضهم لبعض إنما يكون بالحلف ، وما يكون من الظاهر ، ولكن النهي عن ترك الموافقة في الباطن ، وفيه يتحقق رضاء الله . قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 97 إلى 99 ] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) وقوله - عزّ وجل - : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً [ يحتمل هذا وجهين : يحتمل : طائفة من الأعراب أشد كفرا ونفاقا ] « 2 » وهو أن رسول الله دعا كفار المدينة ومنافقيها ، فأيأس عن إيمانهم بقوله : فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ . . . [ التوبة : 95 ] الآية ، فلما أيس عن إيمان هؤلاء ، أقبل نحو طائفة من الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها ، فأخبر أنهم أشدّ كفرا ونفاقا من أهل المدينة . ويحتمل أنه أراد الأعراب جملة أنهم أشدّ - أي : الكفار منهم وأهل النفاق - كفرا ونفاقا من أهل الأمصار والمدائن ، فهو لوجهين : أحدهما : أن أهل الأمصار والمدن كانوا يسمعون الآيات والحجج ، ويخالطون أهل رحمة ورأفة ، وأهل مودة ، وأما الأعراب وأهل البادية « 3 » فكانوا لا يسمعون الآيات

--> ( 1 ) في أ : وتقبلون . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) البادية : خلاف الحاضرة . قال الليث : البادية اسم للأرض التي لا حضر فيها ، والبادي : هو المقيم في البادية ، ومسكنه المضارب والخيام ، ولا يستقر في موضع معين . والبدو : سكان البادية ، سواء أكانوا من العرب أم من غيرهم ، أما الأعراب فهم سكان البادية من العرب خاصة . وفي الحديث : « من بدا جفا » أي : من نزل البادية صار فيه جفاء الأعراب . ولا يختلف استعمال الفقهاء عن ذلك . ينظر : لسان العرب ( بدو ) ، والنهاية في غريب الحديث ، ومفردات الراغب الأصبهاني ، والاختيار ( 5 / 85 ) ، وقليوبي وعميرة ( 3 / 125 ) ، والمغني ( 7 / 527 ) .