أبي منصور الماتريدي

451

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عنى خطاياي ؟ فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ، ثم قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : كيف قلت ؟ قال أرأيت : إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي ؟ قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك » رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه . ووجهت دلالة هذا الحديث على عدم وجوب الجهاد على المدين من جهتين : الأولى : أن الدين يمنع من تكفير الخطايا ، وهو المقصود من الشهادة في الجهاد فحيث عدمت فائدة الشهادة عدم الوجوب ، وقد يقال في هذا : إن لحوق الإثم من جهة عدم وفاء الدين لا يمنع الغفران ، والتكفير من جهة أخرى ، وهذا القدر يكفي في تحقيق فائدة الشهادة ، ولم يقل أحد ولم يدل دليل على أن فائدتها غفران جميع الذنوب وتكفير كل السيئات . والثانية : أن الحديث دل على إثمه بالخروج قبل أداء الدين ، فكان حراما ، والحرام لا يصلح سببا في غفران الذنوب وتكفير السيئات ، ويقال أيضا فيه : إن الجهاد وإن حرم من جهة أنه يترتب عليه تعريض الدين للضياع ، ولكنه مثاب عليه من جهة آثاره ، وهي إعلاء كلمة الله ، وتقوية شوكة المؤمنين على أنا لا نسلم حرمته بهذا العارض . أما إذا كان المدين معسرا فالشافعية والمالكية يجيزون خروجه بدون إذن رب الدين ، والحنفية والحنابلة يمنعون خروجه بدون إذنه . الأدلة : استدل الأولون : بأن المدين لا تتوجه إليه المطالبة حالا ولا يجوز للدائن حبسه من أجله فلا يمنع من الغزو ، كما لو لم يكن عليه دين . واستدل الآخرون : بأن الجهاد مظنة الشهادة ، وبها تفوت النفس فيفوت الحق بفواتها ، ويتوجه عليه أن ما يؤدى إليه هذا الدليل هو الكراهة ؛ لأن الاستشهاد غير مقطوع به ، بل الجهاد كما يكون مظنة الاستشهاد يكون مظنة الغنيمة ، والإعانة على الوفاء . والراجح المذهب الأول ؛ لأن المدين ما دام معسرا فصاحب الدين مكلف بالإمهال والانتظار ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [ البقرة : 280 ] ، فمنعه من الجهاد حينئذ تضييق عليه بدون مسوغ شرعي ، وحرمان له من الثواب بدون حق . وإن كان الدين مؤجلا ، فالكلام فيه كالسابق في حالة الإعسار ، إلا أن الحنفية هنا يجيزون للمدين الخروج ، كالشافعية ، والمالكية ، والراجح المذهب الأول كذلك ؛ لأن الدائن ليس له مطالبة المدين إلا في وقت حلول الدين ، أما قبل ذلك فلا يجوز التعرض له ، ولا الحجر عليه في سفره وإقامته . ( 8 ) إذن الأبوين : يرى جمهور العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد غير المتعين لمن له أبوان إلا بإذنهما ، وذلك لما رواه أبو داود عن أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم من اليمن فقال : « هل لك أحد باليمن ؟ فقال : أبواي ، فقال : أذنا لك ؟ فقال : لا ، قال : ارجع إليهما فاستأذنهما ، فإن أذنا لك فجاهد ، وإلا فبرهما » ، فهذا الحديث نص في اشتراط إذن الأبوين في الجهاد . وما روي عن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال : « أحي والداك ؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد » رواه البخاري والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه . ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يجز الجهاد لمن له أبوان ولم يأذنا له ؛ وذلك لأن حق الأبوين على الولد وبره لهما متعين عليه ، والجهاد ليس متعينا ، فلو أوجبناه عليه للزم إبطال حق متعين بحق غير متعين ، وهو باطل فلا يكون الجهاد واجبا عند عدم الإذن ، بل لا -