أبي منصور الماتريدي

452

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأصله - والله أعلم - : أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة ، أو لطمع يرجو نيله من التجارة ونحوها - لم يكن ذلك عذرا في ترك الخروج ؛ إذ شدة الحرّ وبعد السفر وخوف العدوّ مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة ، فلم يصر ذلك عذرا في التخلف عن الخروج للجهاد ، وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة فيمنعهم ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون ، فصار ذلك عذرا لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد . والثاني : أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذرا في التخلف ، وكل ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر ، والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن يدفع فيصير كأن ليس ، وهو ما ذكر : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [ التوبة : 81 ] ، فإذا ذكر شدة حر جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله ، هان عليه الخروج وسهل ، فارتفع ذلك ؛ فلذلك صار أحدهما عذرا والآخر لا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . قيل « 1 » : لم يخدعوا أحدا في دينه ، ولم يغشوه في دنياه . وقيل : إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، أي : أطاعوا الله ورسوله في الحضرة ، ولم يتركوا طاعته . [ وقوله : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي : ما على المحسنين من سبيل في تركهم الخروج إذا لم يقدروا على الخروج ؛ لما ذكرنا من الزمانة وعدم ما ينفقون ] « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع أصحاب الأعذار . وقوله - عزّ وجل - : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ .

--> - يكون جائزا ، وما روي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك ، فقال : هل لك من أم ؟ قال : نعم ، فقال ألزمها فإن الجنة عند رجليها » رواه أحمد والنسائي ، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يسمح بالجهاد لمن رغب فيه ، وأمره أن يقوم بحقوق والدته المتعينة عليه . وترجع هذه الشروط إلى قاعدتين : إحداهما : أن التكليف مبني على الوسع والطاقة ، وبهذه القاعدة اشترطت الذكورة والبلوغ والعقل وسلامة الأعضاء والحواس ووجود الأهبة ، والثانية : أن التكليف بشيء مشروط بعدم تضييع حقوق أخرى هي أهم منها في نظر الشريعة ، ومن ذلك منع الدين على التفصيل المتقدم ، واحتياج الولد إلى إذن أبويه في الخروج إلى الجهاد ، ومنع الرق . ينظر : الجهاد لشحاتة محمد شحاتة ص ( 57 ) . ( 1 ) في أ : وقيل . ( 2 ) سقط في أ .