أبي منصور الماتريدي
436
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل قوله : سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أي : سخر أولياء الله منهم ، فأضيف إليه ، وكذلك يحتمل قوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] أي : يستهزئ بهم أولياؤه ، وهو قوله : ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [ الحديد : 13 ] فذلك استهزاؤهم بهم ، وذلك جائز في اللغة إضافة الشيء إلى آخر ، والمراد منه غير مضاف إليه . وقوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ : قال عامة أهل التأويل : إنه لما مات عبد الله بن أبي أراد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي عليه ، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه ، فقال : أأمرك الله بهذا ؟ قال : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فقال : « قد خيرني ربي ، افعل أو لا تفعل » « 1 » . وفي بعض الروايات قال له عمر : لا تستغفر ؛ فإن الله قد نهاك عن هذا . فقال رسول الله « إنما خيرني الله فقال : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين » « 2 » أو كلام نحو هذا . فأنزل الله عند ذلك : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ المنافقون : 6 ] ، لكن هذا يبعد [ أن ] يفهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من الآية التخيير ، وعمر يمنعه من ذلك ، ولا يجوز أن يفهم التخيير في ذلك ، أو يخرج ذلك على التحديد ، أو تكون منسوخة بالتي في « المنافقين » ؛ لأنه وعيد ، والوعيد لا يحتمل النسخ . والوجه فيه - والله أعلم - : إن استغفرت لهم فإن استغفارك ليس بالذي يرد فلا يجاب ، لكنهم قوم كفروا بالله ورسوله ، وقد تعلم من حكمي أني لا أغفر لمن مات على ذلك . [ على ذلك ] يخرج على الاعتذار لرسوله في ذلك ، والنهي له عن الاستغفار لهم ؛ كقوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [ التوبة : 113 ] ، وقد علم شرك المنافقين وكفرهم بالله ورسوله ؛ فنهاهم عن الاستغفار لهم ؛ إذ لا يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطلع رسوله على كفرهم ؛ فدل على أنه بعد العلم بذلك نهاه . وفيه دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم : « إن صاحب الكبيرة لا يغفر له » ؛ لأنه أخبر أنه لا يغفر لهم بما كفروا بالله ورسوله ؛ فدل أن من لم يكن كفر بالله ورسوله فإنه يغفر له ، وأن له الشفاعة ، وصاحب الكبيرة ليس بكافر ، دل أنه ما ذكرنا .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4670 ) ، ( 4672 ) ومسلم ( 3 / 2774 ) وأحمد ( 2 / 18 ) والترمذي ( 3098 ) وابن ماجة ( 1523 ) والنسائي ( 4 / 36 ) عن ابن عمر بنحوه . ( 2 ) انظر التخريج السابق .