أبي منصور الماتريدي
437
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم طلب المغفرة من الله والشفاعة لو يجيء لا يكون إلا للخواص من الخلق وهم الرسل والأنبياء ، على ما يكون في الشاهد لا يرفع إلى ملوك الأرض الحاجة ليقربهم إلا الخواص لهم ولا يشفعون إلا أهل الشرف عندهم والمنزلة ، لكن الله - تعالى - أذن لنا في استغفار غيرنا بقوله : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ [ الحشر : 10 ] . وقوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ . يحتمل قوله : عَلَيْهِمْ أي : سواء عندهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، ويكون طلب استغفارهم من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم استهزاء منهم به ، حيث قال : سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا [ الفتح : 11 ] ، يخرج قولهم : فَاسْتَغْفِرْ لَنا مخرج الاستهزاء على هذا التأويل . ويحتمل قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أي : سواء عند الله استغفرت لهم ، أم لم تستغفر لهم - فإنه لا يغفر لهم بكفرهم بالله ورسوله . ثم قوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً يحتمل : ذكر السبعين ؛ لأن السبعين هو النهاية والغاية في الاستغفار ، على ما روي أنه كان يستغفر في كل يوم سبعين استغفارا ، فأخبر : أنك وإن انتهيت النهاية فيه لا يغفر لهم ولا ينفعهم ذلك . وقوله وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ . وقت اختيارهم الفسق ، أو لا يهديهم طريق الجنة في الآخرة ؛ لفسقهم في الدنيا ، إذا ماتوا على ذلك . قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 81 إلى 85 ] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ( 84 ) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 85 ) وقوله : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ . . . الآية . جمعوا - أعني المنافقين - جميع خصال الشر التي فعلوا :