أبي منصور الماتريدي

404

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يقوم فيسأل الناس » « 1 » . فهذا لو حمل على ظاهره لدفع قول من قال : إن المسكين هو الذي يسأل الناس ، ولكن يجوز أن يكون معناه - والله أعلم - أن الذي يسأل وإن كان عندكم مسكينا ، فإن الذي لا يسأل أشد مسكنة منه ، ولا يحمل على غير ذلك ؛ لأن الله قد سمى الذين لا يسألون الناس فقراء ، ولا يجوز أن يجعل الحديث مخالفا للآية ما أمكن أن يكون موافقا لها ؛ قال الله - تعالى - : يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [ البلد : 15 - 16 ] . فقوله ذا مَتْرَبَةٍ قيل : هو الذي لا حائل بينه وبين التراب لفقره ؛ فدل بذلك - والله أعلم - على أن المسكين هو الشديد الفقر ، والفقير هو الذي لا يملك شيئا ، ولم يبلغ في الفقر والضرورة حال المسكين ، ويدل لذلك قول عمر : ليس المسكين من لا مال له ، ولكن المسكين من لا مكسب له ؛ كأنه يقول : إن الذي لا مال له وله مكسب هو فقير ، والمسكين أشد حالا من الفقير ، وليس له مال ولا مكسب . وإن حمل قول النبي - عليه السلام - : « ليس المسكين الذي يسأل ، ولكن المسكين الذي لا يفطن له ولا يسأل » على أن ذلك الذي لا يفطن به هو أشد مسكنة من الآخر ، وإن كان الآخر مسكينا - أيضا - كان موافقا للمعنى الذي ذكرنا ؛ لأنا قلنا : إن المسكين هو الشديد الفقر ، وقد يكون فقيرا وإن لم يبلغ به الضر مبلغ الضر الأول . وقد يخرج قول من قال : إن المسكين الذي يخرج هذا المخرج ؛ لأن من شأن المسلم الفقير أنه يتحمل ما كانت له حيلة ، ويتعفف ، ولا يخرج فيسأل وله حيلة « 2 » فخروجه يدل على شدة ضيقه ، وعلى الزيادة في سوء حاله ، فكان القولان جميعا يرجعان إلى معنى واحد . وإذا كان الفقير أحسن حالا من المسكين لما ذكرنا ، فقد يجوز أن تدفع الصدقة إلى من له مال قليل ؛ لأنه فقير ، وإن لم يكن حاله في فقره حال المسكين الذي لا يملك شيئا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَالْعامِلِينَ عَلَيْها . اختلف فيه :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 8 / 50 ) كتاب التفسير باب ( لا يسألون الناس إلحافا ) ( 4539 ) ، ومسلم ( 2 / 719 ) كتاب الزكاة باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه ( 101 / 1039 ) . ( 2 ) في أ : حيل .