أبي منصور الماتريدي

400

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه أتي بصدقة ، فبعثها إلى أهل بيت واحد . هؤلاء نجباء « 1 » الصحابة استجازوا وضع الصدقة في صنف واحد ، ولو كان حق كل صدقة أن تقسم بين هؤلاء الأصناف الذين ذكر بالسوية على ما قال القوم ، لكان قال الله - عزّ وجل - : إنما الصدقات بين الفقراء وبين من معهم من الأصناف ؛ كما يقال : الميراث لقرابة فلان ، أي : ليس للأجنبيين في ذلك حق ، ولا يقال : الميراث بين قرابة فلان ؛ لأن لكل في ذلك حقّا ؛ لأن حرف « بين » يقتضي التسوية بجميعهم ، وقوله : « لهم » يقتضي أنه لا حق فيه لغيرهم . ألا ترى أنه يقال : الخلافة لولد العباس ، يراد أنه لاحظ فيها لغيرهم ، والسقاية لبني هاشم « 2 » ، ونحوه ، ليس يراد ذلك بينهم بالتسوية ، وإنما يراد ذلك أن لا حق لغيرهم فيها ؟ ! وبعد ، فإنه لو كان في الآية : إنما الصدقات بين الفقراء وبين من ذكر معهم ، لكان لا يجب قسمة كل صدقة بين هؤلاء الأصناف المذكورة في الآية ؛ لأنه ليس للصدقات انقطاع ، بل لها مداد إذا دفع صدقة واحدة إلى صنف واحد ، فإذا أتي بصدقة أخرى دفع إلى صنف آخر ، هكذا يعمل في الأصناف كلها . وبعد ، فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أنه تكلف طلب هؤلاء الأصناف فقسمها بينهم ، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنهم دفعوا صدقة واحدة بين هؤلاء الذين ذكر ؛ فدل أنه خرج على ما ذكرنا ؛ لأنه لو كان على تسوية كل صدقة بينهم ، لم يجز ألا يقسموها كذلك ويضيعون حق البعض من هؤلاء .

--> ( 1 ) النجابة : النباهة وظهور الفضل على المثل ، والنجيب : الفاضل على مثله ، النفيس في نوعه ، المعجم الوسيط ( 2 / 901 ) ( نجب ) . ( 2 ) هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ، من قريش ، أحد من انتهت إليهم السيادة في الجاهلية ، ومن بنيه النبي صلى اللّه عليه وسلم قال مؤرخوه : اسمه عمرو ، وغلب عليه لقبه ( هاشم ) ؛ لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة في إحدى المجاعات . وهو أول من سن الرحلتين لقريش للتجارة : رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة ، ورحلة الصيف إلى غزة وبلاد الشام وربما بلغ أنقرة . وهو الذي أخذ الحلف من قيصر لقريش على أن تأتي الشام وتعود منها آمنة . وكان أحد الأجواد الذين ضرب بهم المثل في الكرم ؛ وللشعراء فيه ما يؤيد هذا . ولد بمكة ، وساد صغيرا فتولى بعد موت أبيه سقاية الحاج ورفادته ( وهي إطعام الفقراء من الحجاج ) ووفد على الشام في تجارة له ، فمرض في طريقه إليها ، فتحول إلى غزة ( في فلسطين ) فمات فيها ، شابّا ؛ وبه يقال لغزة : ( غزة هاشم ) وإليه نسبة الهاشميين على تعدد بطونهم . ينظر : طبقات ابن سعد ( 1 / 43 ) ، والكامل في التاريخ ( 2 / 6 ) ، والطبري ( 2 / 179 ) .