أبي منصور الماتريدي
401
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وبعد ، فإنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك ، دل أنه لم يخرج الخطاب على توهم خصومنا . ولأن الحق لو كان التسوية بينهم في كل صدقة ، لكان إذا لم يجد في بلدة مكاتبين أو واحدا من هؤلاء الأصناف ، فيجب أن يسقط مقدار حصة من لم يجد عن أربابها ، فذلك بعيد ؛ فقد « 1 » جاء في الخبر أنه بعث معاذا إلى اليمن ، فقال له : « خذ من أغنيائهم وردّ في فقرائهم » « 2 » . ويكره إخراج صدقة كل بلد إلى غيره من البلدان « 3 » .
--> ( 1 ) في ب : وقد . ( 2 ) هو طرف من حديث عن ابن عباس أخرجه البخاري ( 1395 ، 1458 ، 1496 ، . . . ) ، ومسلم ( 29 / 19 ) . ( 3 ) إذا فاضت الزكاة في بلد عن حاجة أهلها جاز نقلها اتفاقا ، بل يجب ، وأما مع الحاجة فيرى الحنفية أنه يكره تنزيها نقل الزكاة من بلد إلى بلد ، وإنما تفرق صدقة كل أهل بلد فيهم ؛ لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم » . ولأن فيه رعاية حق الجوار ، والمعتبر بلد المال ، لا بلد المزكي . واستثنى الحنفية أن ينقلها المزكي إلى قرابته ، لما في إيصال الزكاة إليهم من صلة الرحم . قالوا : ويقدم الأقرب فالأقرب . واستثنوا أيضا أن ينقلها إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده ، وكذا لأصلح ، أو أورع ، أو أنفع للمسلمين ، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو إلى طالب علم . وذهب المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة إلى ما يزيد عن مسافة القصر ؛ لحديث معاذ المتقدم ، ولما ورد أن عمر - رضي الله عنه - بعث معاذا إلى اليمن ، فبعث إليه معاذ من الصدقة ، فأنكر عليه عمر وقال : لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم ، فقال معاذ : « ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني » . وروي أن عمر بن عبد العزيز أتي بزكاة من خراسان إلى الشام فردها إلى خراسان . قالوا : والمعتبر بلد المال ، إلا أن المالكية قالوا : المعتبر في الأموال الظاهرة البلد الذي فيه المال ، وفي النقد وعروض التجارة البلد الذي فيه المالك . واستثنى المالكية أن يوجد من هو أحوج ممن هو في البلد ، فيجب حينئذ النقل منها ولو نقل أكثرها . ثم إن نقلت الزكاة حيث لا مسوغ لنقلها مما تقدم ، فقد ذهب الحنفية والشافعية ، والحنابلة على المذهب ، إلى أنها تجزئ عن صاحبها ؛ لأنه لم يخرج عن الأصناف الثمانية . وقال المالكية : إن نقلها لمثل من في بلده في الحاجة فتجزئه مع الحرمة ، وإن نقلها لأدون منهم في الحاجة لم تجزئه على ما ذكره خليل والدردير ، وقال الدسوقي : نقل المواق أن المذهب الإجزاء بكل حال . وقال الحنابلة في رواية : لا تجزئه بكل حال . وحيث نقلت الزكاة فأجرة النقل عند المالكية تكون من بيت المال لا من الزكاة نفسها . وقال الحنابلة : تكون على المزكي . ينظر : ابن عابدين ( 2 / 68 ، 69 ) ، وفتح القدير ( 2 / 28 ) ، والدسوقي ( 1 / 500 - 502 ) ، وشرح المنهاج ( 3 / 202 ، 203 ) ، والمغني ( 2 / 671 - 674 ) ، والإنصاف ( 3 / 202 ) .