أبي منصور الماتريدي
379
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ . يحتمل قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ، أي : يطلعك الله على نفاقهم ، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف . أو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم ؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك ؛ وإن لم تأذن لهم ، والذين صدقوا لا يفارقونك ، فيتبين هؤلاء من هؤلاء ، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [ المؤمنين ] « 1 » . وفي قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر . وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد ؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر ، لم يكن ليعاتبه على الإذن ، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود « 2 » للعذر . فإن قيل : كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود ، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ النساء : 105 ] . قيل : يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل ؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن ؛ إذ به « 3 » يتبين [ له ] « 4 » الصادق من الكاذب ، ويكون فيه آية من آيات الرسالة ، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل . ويحتمل أن يكون قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضا ، ليس على العتاب . ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية ؛ لأنه بدأ بذكر « 5 » العفو ، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب ، لم يذكر زلته ، وذكر في سائر الأنبياء الزلات . وقوله - عزّ وجل - : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . الآية . أي : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر ، إنما يستأذنونك لعذر إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بالقعود لغير عذر . وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : يستأذنون بالعفو . ( 3 ) في ب : لأن به . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في أ : يذكر .