أبي منصور الماتريدي

378

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ الحج : 11 ] فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع ، وإليها يميلون ، وأما المؤمنون [ فإنهم ] « 1 » يعبدون الله في كل حال : في حال السعة ، وفي حال الضيق ، ويتبعون رسول الله ، ولا يفارقونه ، كانت لهم منافع أو لم تكن ، أصابتهم مشقة أولا ، هم لا يفارقون رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على كل حال . وقوله - عزّ وجل - : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ . أي : لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم ، ولو كان [ لنا ] « 2 » زاد وما نشتري ما نحارب به لخرجنا معكم . ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك ، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم ؛ حيث قال : وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً . وقالت المعتزلة : دل قوله : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ أن الاستطاعة تتقدم الفعل ؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون : إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري به السلاح . لكنا نقول : إن الاستطاعة على وجهين : استطاعة الأسباب ، والأحوال . واستطاعة الأفعال ، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم ، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال . ألا ترى أنه قال : وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً . ومن قولهم أيضا : إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتا ، ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتا ؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال . وقوله - عزّ وجل - : يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ . قيل « 3 » : يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون . وقيل : يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج ؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج ؛ كقوله : مَلْعُونِينَ . . . الآية [ الأحزاب : 61 ] . ويحتمل : يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا . وقوله - عزّ وجل - : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بالتخلف .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 380 ) ، والبغوي ( 2 / 297 ) وأبو حيان في البحر ( 5 / 47 ) ، والرازي ( 16 / 58 ) .