أبي منصور الماتريدي

366

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويجعلون المحرم « 1 » عاما حراما وعاما حلالا ، فكان النسيء من الشيطان . وصف رسول الله في هذه الأحاديث الأشهر الحرم وبينها ؛ فدل ذلك على أن النسيء « 2 » كان يحرم القتال فيها ؛ على ما كان أهل الجاهلية يحرمونه ، وزاد ذلك بيانا يصيب أصحاب النسيء ؛ إذ كانوا يستحلون القتال في المحرم ، ويؤخرونه إلى صفر ، فيحرمون صفرا مكان المحرم ، فعاب الله عليهم تحليل ما حرم من الشهر ، وجعله زيادة في الكفر ، وقال : يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي : عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله ، وقال : فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ . ومنهم من قال : إن الله جعل عدة الشهور اثني عشر شهرا بالأهلة على ما عرفته العرب لما وفقوا إلى معرفة ذلك ، ولم يوفق غيرهم ، وإنما يعدون السنة بالأيام ، والعرب تعرفها بالأهلة على ما خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ . قال بعضهم : في الأشهر كلها لما جعل هذه الأشهر شهودا عليهم ، يشهدون بما يعملون فيها من المعاصي والخيرات ، وبها تنقضي آجالهم ؛ يخبر ألا تظلموا في هذه الأشهر التي تأتي لكم « 3 » بكل خير ، وبكل نعمة ، فإنها تنصرف بما تعملون فيها من الخير والشر . وقال بعضهم : قوله : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ . أي : في الأربعة الحرم ، خص الأربعة وإن كان الظلم في الأشهر كلها لا يحل على ما خص مكة بترك الظلم ، وإن كان الظلم حراما في الأماكن كلها ؛ كقوله : سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ . . . الآية [ الحج : 25 ] ، أي : لا تقاتلوا فيها ؛ إذ كل ظلم . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . قيل : ذلك الحساب حساب الأشهر قيم ، أي : صحيح مستقيم على ما خلقه الله .

--> ( 1 ) المحرم : هو أول الشهور العربية المعجم الوسيط ( 1 / 169 ) ( حرم ) . ( 2 ) تأخير شهر إلى شهر ، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يجعلون المحرم مكان صفر ، فيؤخرونه إليه . وإنما كان يفعل ذلك المحاويج من كنانة ليغيروا على بعضهم فيستاقون إبلهم وغنمهم ، والفاعل لذلك هو جنازة بن عون . قال الشاعر مفتخرا بذلك : [ من الوافر ] . ألسنا الناسئين على معدّ * شهور الحلّ نجعلها حراما ؟ ينظر : عمدة الحفاظ ( 4 / 192 ) . ( 3 ) في أ : بكم .