أبي منصور الماتريدي
359
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
التمثيل ، أي : اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم ؛ كأنهم اتخذوهم أربابا ، لا على التحقيق ، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان ، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه . وأما في المسيح فهو على التحقيق ؛ لأنهم قالوا : ابن إله ، وقالوا : ابن [ الإله ] « 1 » إله ؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق ، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل . وقوله - عزّ وجل - : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً . يحتمل : إلا ليوحدوا إلها واحدا الذي لا إله إلا هو . ويحتمل : أي : ما أمروا أن يعبدوا آلهة [ على ما ] « 2 » يعبدون من الأصنام والأوثان ، ولكن أمروا أن يعبدوا إلها واحدا . وقوله - عزّ وجل - : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ . قيل : نُورَ اللَّهِ : ذكر الله وتوحيده . وقيل : نُورَ اللَّهِ : القرآن « 3 » . وقيل : نُورَ اللَّهِ : هو الإسلام « 4 » . فإذا كان « 5 » النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله ، ولا يذكرونه ، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام ، وإياها يذكرون ، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم ، فلما أن بعث الله رسوله محمدا بذكر الله وتوحيده ، وأمر بالتناصر بحق الدين ، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور . ومن قال : أراد بنور الله القرآن ، أرادوا إطفاءه ؛ كقوله : ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الأحقاف : 17 ] ، و إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ الأنعام : 7 ] و لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : 26 ] ونحوه ، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً [ سبأ : 43 ] ، وقولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . . . الآية [ النحل : 103 ] . ومن قال : نور الله هو الدين ؛ كقوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] ، وقال « 6 » : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ . . . [ النور : 35 ] في
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 286 ) ونسبه للكلبي وكذا أبو حيان في البحر ( 5 / 34 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 356 ) ( 16659 ) عن السدي وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 416 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي . ( 5 ) في ب : فإن كان . ( 6 ) في أ : فقال .