أبي منصور الماتريدي
350
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فإن قيل : روي عن معاذ : قال : أمرني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن آخذ من كل حالم وحالمة دينارا . وفي بعض الروايات عنه أنه قال : أن آخذ من كل حالم ذكرا أو أنثى دينارا ؛ فإن كان هذا مثبتا محفوظا ، فهو دليل لما يؤخذ من نصارى بني تغلب « 1 » ، ويكون حكم نساء
--> - أبناء المشركين ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « وهم من آبائهم » ؛ ثم جاء النهي بعد ذلك . وذكر الأحاديث التي فيها النهي عن قتل النساء والذرية . قلت : لم يشرع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قتل النساء والذرية في شيء من مغازيه البتة . والنبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن قتل النساء والذرية في مغازيه قبل إرسال معاذ إلى اليمن كما في الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فأنكر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قتل النساء والصبيان . ورأى الناس في بعض غزواته مجتمعين على شيء ، فبعث رجلا فقال : انظر علام اجتمع هؤلاء . فجاء فقال : امرأة قتيل ، فقال : « ما كانت هذه لتقاتل » . وكان على المقدمة خالد ابن الوليد فبعث رجلا فقال : « قل لخالد : لا يقتلن امرأة ولا عسيفا » وفي لفظ : « لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا » ، ذكره أحمد . وفي سنن أبي داود عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ولا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا ولا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغلوا ، وضموا غنائمكم ، وأصلحوا وأحسنوا ، إن الله يحب المحسنين » . بل النهي عن قتل النساء وقع يوم الخندق ويوم خيبر ، كما في المسند من حديث ابن كعب بن مالك عن عمه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان . وفي ( المعجم ) للطبراني من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم مر بامرأة يوم الخندق مقتولة . فقال : « من قتل هذه ؟ » فقال رجل : أنا يا رسول الله ، قال : ولم ؟ قال نازعتني سيفي . فسكت » . وهذا كله كان قبل إرسال معاذ إلى اليمن ، فالصواب أن ذكر الحالمة في الحديث غير محفوظ . والله أعلم . ينظر : أحكام أهل الذمة ( 1 / 42 - 45 ) . ( 1 ) بنو تغلب بن وائل بن ربيعة بن نزار ، من صميم العرب ، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية ، وكانوا قبيلة عظيمة لهم شوكة قوية ، واستمروا على ذلك حتى جاء الإسلام فصولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم عوضا من الجزية ، واختلفت الرواية متى صولحوا ؟ ففي ( سنن أبي داود ) من حديث إبراهيم بن مهاجر عن زياد بن حدير قال : قال علي : ( لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ، ولأسبين الذرية ، فإني كتبت الكتاب بينهم وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم ألا ينصروا أبناءهم ) . لكن قال أبو داود : ( هذا حديث منكر ، بلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان ينكر هذا الحديث إنكارا شديدا ) . وقال أبو علي اللؤلئي : ( لم يقرأه أبو داود في العرضة الثانية ) انتهى . وإبراهيم بن مهاجر ضعفه غير واحد ، والمشهور أن عمر هو الذي صالحهم . قال أبو عبيد : ثنا أبو معاوية ، ثنا أبو إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود بن كردوس قال : صالحت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن بني تغلب - بعد ما قطعوا الفرات ، وأرادوا أن يلحقوا بالروم - على ألا يصبغوا صبيّا ولا يكرهوا على دين غير دينهم ، وعلى أن عليهم العشر مضاعفا من كل عشرين درهما درهم . فكان داود يقول : ليس لبني تغلب ذمة ، قد صبغوا في دينهم . قال أبو عبيد : قوله : ( لا يصبغوا في دينهم ) يعني لا ينصروا أولادهم . قال أبو عبيد : وكان -