أبي منصور الماتريدي

349

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم في قوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ دلالة على أن الجزية إنما تؤخذ ممن يجب أن يقاتل إن لم يبذلها ، والنساء والصبيان [ لا يقاتلون ] « 1 » ولا يقتلن إن ظهر بهم ، فلا يجب أن توضع عليهم الجزية بدليل الكتاب ؛ إذ « 2 » كان الله إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن يقاتل ، وكذلك فعل عمر والأئمة بعده . روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء « 3 » الجيوش : لا تقاتلوا إلا من قاتلكم ، ولا تقتلوا الصبيان والنساء ، ولا تقتلوا إلا من جرت عليه المواسي « 4 » . وكتب إلى عماله : أن يضربوا الجزية ، ولا يضربوها على النساء والصبيان . وفي بعض الروايات أنه كتب إلى أمراء « 5 » الأجناد : ألا تأخذوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي ، قال : والجزية أربعون درهما أو أربعة « 6 » دنانير . [ و ] « 7 » في خبر معاذ دلالة لذلك ؛ حيث قال : بعثني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى اليمن ، وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريّا . بين معاذ أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أمره أن يأخذ ذلك من الرجال دون النساء والصبيان « 8 » .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : لما . ( 3 ) في أ : أمير . ( 4 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 6 / 428 ) ( 32636 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 9 / 198 ) كتاب الجزية باب من يرفع عنه الجزية . ( 5 ) في أ : آمير . ( 6 ) في أ : وأربعة . ( 7 ) سقط في ب . ( 8 ) ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون . هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم . قال ابن المنذر : ولا أعلم عن غيرهم خلافهم . وقال أبو محمد في ( المغني ) : ( لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا ) . قال أبو عبيد : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا أيوب عن نافع عن أسلم مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد أن يقاتلوا في سبيل الله ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم ، ولا يقتلوا النساء ولا الصبيان ، ولا يقتلوا إلا من جرت عليه المواسي . قال أبو عبيد : يعني من أنبت . وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية ومن لا تجب عليه . ألا تراه إنما جعلها على الذكور المذكورين دون الإناث والأطفال ، وأسقطها عمن لا يستحق القتل : وهم الذرية . وقد جاء في كتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى معاذ باليمن : ( خذ من كل حالم دينارا ) ، تقوية لقول عمر - رضي الله عنه - ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم خص الحالم دون المرأة والصبي ؟ إلا أن في بعض ما ذكرنا من كتبه : ( الحالم والحالمة ) فنرى - والله أعلم - أن المحفوظ المثبت من ذلك هو الحديث الذي لا ذكر للحالمة فيه ؛ لأنه الأمر الذي عليه المسلمون ، وبه كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أمراء الأجناد . فإن يكن الذي فيه ذكر الحالمة محفوظا فإن وجهه عندي أن يكون ذلك كان في أول الإسلام ؛ إذ كان نساء المشركين وولدانهم يقتلون مع رجالهم ، وقد كان ذلك ثم نسخ . ثم ذكر حديث الصعب بن جثامة الذي في صحيح البخاري : أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بعث سرية فأصابت من -