أبي منصور الماتريدي

331

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - في ذلك حديثا رواه الدارقطني أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لما أجلى يهود بني النضير قالوا : إن لنا ديونا لم تحل فقال : « ضعوا وتعجلوا » . وإسناده حسن ليس فيه إلا مسلم بن خالد الزنجي ، وحديثه لا ينحط عن رتبة الحسن . فإن دعت الحاجة إلى الإقامة لبيع بضاعته فوق ثلاث ففيه وجهان : أحدهما : يجوز له ذلك ؛ لأن في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله ، وذلك يمنع الدخول بالبضائع ويضر بأهل الحجاز ، ويقطع الجلب عنهم ، وهذا هو الصحيح . والثاني : يمنع من الإقامة ؛ لأن له منها بدّا ، فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز ، ويقيم فيه ثلاثة أيام أو أربعة ، ولا يدخلون إلا بإذن من الإمام أو نائبه . وقيل : يكفي إذن آحاد المسلمين ، هذا حكم غير الحرم . قال أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله تعالى : ولا يمنعون من تيماء وفدك ونجران ونحوهن . وقد تقدم الحديث المصرح بأن نجران من جزيرة العرب . قالوا : فإن دخلوا غير الحرم لم يجز إلا بإذن مسلم . وأما الحرم فيمنعون دخوله بكل حال ولا يجوز للإمام أن يأذن في دخوله ، فإن دخل أحدهم فمرض أو مات أخرج ، وإن دفن نبش . وهل يمنعون من حرم المدينة ، حكي عن أحمد - رحمه الله تعالى - فيه روايتان كما تقدم ، وقد صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه أنزل وفد نصارى نجران في مسجده وحانت صلاتهم فصلوا فيه ، وذلك عام الوفود بعد نزول قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] ، فلم تتناول الآية حرم المدينة ولا مسجدها . وأما تفصيل مذهب مالك - رحمه الله تعالى - فإنهم يقرون عنده في جميع البلاد إلا جزيرة العرب : وهي مكة والمدينة وما والاهما . وروى عيسى بن دينار عنه دخول اليمن فيها . وروى ابن حبيب أنها من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول ، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ، ومصر في المغرب والمشرق ، وما بين المدينة إلى منقطع السماوة . ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ، ولكن لا يقيمون . وأما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فعنده : لهم دخول الحرم كله حتى الكعبة نفسها ، ولكن لا يستوطنون به . وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم ، وكأن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يصح هذا القياس ، فإن لحرم مكة أحكاما يخالف بها المدينة ، على أنها ليست عنده حرما . فإن قيل : الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام ، ولم يمنع أهل الكتاب منه : ولهذا أذن مؤذن النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الحج الأكبر : ( أنه لا يحج بعد العام مشرك ) والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب ، فلم يتناولهم المنع . قيل : للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين ، فابن عمر وغيره كانوا يقولون : هم من المشركين . قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - : لا أعلم شركا أعظم من أن يقول : المسيح ابن الله وعزير ابن الله ، وقد قال تعالى فيهم : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 31 ] . والثاني : لا يدخلون في لفظ ( المشركين ) ؛ لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [ الحج : 17 ] قال شيخنا : ( والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد ، فليسوا من المشركين في الأصل ، والشرك طارئ عليهم ، فهم منهم باعتبار ما عرض لهم ، لا باعتبار أصل الدين ، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي ، وهو كونهم نجسا ، -