أبي منصور الماتريدي

332

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - والحكم يعم بعموم علته ) . فإن قيل : فالآية نبهت على دخولهم الحرم عوضا عن دخول عباد الأوثان فإنه سبحانه قال : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فإنها لما نزلت انقطع عنهم ما كان المشركون يجلبون إليهم من الميرة ، فأعاضهم الله بالجزية . قيل : ليس في هذا ما يدل على دخول أهل الجزية المسجد الحرام بوجه ما ، بل تؤخذ منهم الجزية وتحمل إلى من بالمسجد الحرام وغيره . على أن الإغناء من فضل الله وقع بالفتوح والفيء والتجارات التي حملها المسلمون إلى مكة . فإن قيل : فالآية إنما منعت قربانهم المسجد الحرام خاصة ، فمن أين لكم تعميم الحكم للحرم كله ؟ قيل : المسجد الحرام يراد به في كتاب الله تعالى ثلاثة أشياء : نفس البيت ، والمسجد الذي حوله ، والحرم كله . فالأول كقوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ * والثاني كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ . على أنه قد قيل : إن المراد به هاهنا الحرم كله ، والناس سواء فيه . والثالث كقوله : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وإنما أسرى به من داره من بيت أم هانئ ، وجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله تعالى : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا أن المراد مكة كلها والحرم ، لم يخص ذلك أحد منهم بنفس المسجد الذي يطاف فيه . ولما نزلت هذه الآية كانت اليهود بخيبر وما حولها ، ولم يكونوا يمنعون من المدينة ، كما في الصحيح أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله ، فلم يجلهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عند نزولها من الحجاز ، وأمر مؤذنه أن يؤذن بأن ( لا يحج بعد العام مشرك ) . فإن قيل : فما تقولون في دخولهم مساجد الحل ؟ قيل : إن دخلوها بغير إذن منعوا من ذلك ولم يمكنوا منه ؛ لأنهم نجس ، والجنب والحائض أحسن حالا منهم ، وقد منعا من دخول المساجد . وإن دخلوها بإذن مسلم ففيه قولان للفقهاء هما روايتان عن أحمد . ووجه الجواز أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنزل الوفود من الكفار في مسجده ، فأنزل فيه وفد نجران ووفد ثقيف وغيرهم . وقال سعيد بن المسيب : كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه ، وقدم عمير بن وهب - وهو مشرك - فدخل المسجد ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم فيه ، ليفتك به ، فرزقه الله تعالى الإسلام . ووجه المنع أنهم أسوأ حالا من الحائض والجنب ، فإنهم نجس بنص القرآن ، والحائض والجنب ليسا بنجس بنص السنة . ولما دخل أبو موسى على عمر بن الخطاب وهو في المسجد أعطاه كتابا فيه حساب عمله ، فقال له عمر : ادع الذي كتبه ليقرأه . فقال : إنه لا يدخل المسجد . قال : ولم ، قال : إنه نصراني . وهذا يدل على شهرة ذلك بين الصحابة ، ولأنه قد انضم إلى حدث جنابته حدث شركه ، فتغلظ المنع . وأما دخول الكفار مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم فكان ذلك لما كان بالمسلمين حاجة إلى ذلك ، ولأنهم كانوا يخاطبون النبي صلى اللّه عليه وسلم في عهودهم ، ويؤدون إليه الرسائل ، ويحملون منه الأجوبة ، ويسمعون منه الدعوة ، ولم يكن النبي صلى اللّه عليه وسلم ليخرج من المسجد لكل من قصده من الكفار ، فكانت المصلحة في دخولهم إذ ذاك أعظم من المفسدة التي فيه ، بخلاف الجنب والحائض ، فإنه كان يمكنهما التطهر والدخول إلى المسجد . وأما الآن فلا مصلحة للمسلمين في دخولهم مساجدهم والجلوس فيها ، فإن دعت إلى ذلك مصلحة راجحة جاز دخولها بلا إذن . والله أعلم . ينظر : أحكام أهل الذمة ( 1 / 175 - 191 ) .