أبي منصور الماتريدي
330
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما » وقسمها عمر - رضي الله عنه - بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية . وأما رهن النبي صلى اللّه عليه وسلم درعه عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يقدمون المدينة بالميرة والتجارة من حولها ، أو من أهل خيبر ، وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف : بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة . فأما بنو قينقاع فحاربهم أولا ، ثم منّ عليهم . وأما بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر ، وأجلى بني قينقاع أيضا ، وقتل بني قريظة ، وأجلى كل يهودي كان بالمدينة ؛ فهذا اليهودي المرتهن : الظاهر أنه من أهل العهد ، قدم المدينة بطعام أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه ، فالله أعلم . فهذا أصل إجلاء الكفار من أرض الحجاز ؛ ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك ، فقال مالك : أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها ؛ لأن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » . وفي صحيح مسلم من حديث عمر - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، حتى لا أدع فيها إلا مسلما » . وقال الشافعي : يمنعون من الحجاز ، وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ، وهي قراها . أما غير الحرم منه فيمنع الكتابي وغيره من الاستيطان والإقامة به ؛ وله الدخول بإذن الإمام لمصلحة كأداء رسالة أو حمل متاع يحتاج إليه المسلمون ؛ وإن دخل لتجارة ليس فيها كثير حاجة لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئا ؛ ولا يمكن من الإقامة أكثر من ثلاث . وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب ، ومنعهم من الإقامة فيها ؛ وهذا وهم ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث معاذا قبل موته إلى اليمن ، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا ، وأقرهم فيها وأقرهم أبو بكر بعده ، وأقرهم عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - ، ولم يجلوهم من اليمن مع أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، فلم يعرف عن إمام أنه أجلاهم من اليمن ، وإنما قال الشافعي وأحمد : يخرجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر وينبع ومخاليفها ، ولم يذكرا اليمن . ولم يجلوا من تيماء أيضا وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر ، فالبحر بينها وبين الجزيرة فهذا القول غلط محض . وأما الحرم : فإن كان حرم مكة فإنهم يمنعون من دخوله بالكلية ، فلو قدم رسول لم يجز أن يأذن له الإمام في دخوله ويخرج الوالي أو من يثق به إليه ، ولا يختص المنع بخطة مكة بل بالحرم كله . وأما حرم المدينة فلا يمنع من دخوله لرسالة أو تجارة أو حمل متاع . فهذا تفصيل مذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - وأما مذهب أحمد - رحمه الله تعالى - فعنده : يجوز لهم دخول الحجاز للتجارة ؛ لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر - رضي الله عنه - كما تقدم . وحكى أبو عبد الله بن حمدان عنه رواية : أن حرم المدينة كحرم مكة في امتناع دخوله . والظاهر أنها غلط على أحمد ، فإنه لم يخف عليه دخولهم بالتجارة في زمن عمر - رضي الله عنه - وبعده وتمكينهم من ذلك . ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام ، وقال القاضي : أربعة ، وهي حد ما يتم المسافر الصلاة . وإذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة لمشقة الانتقال على المريض . ويجوز أن يقيم معه من يمرضه ؛ وإن كان له دين على أحد وكان حالّا أجبر غريمه على وفائه ، فإن تعذر وفاؤه لمطل أو غيبة مكن من الإقامة ليستوفي دينه ، وفي إخراجه ذهاب ماله ، وإن كان الدين مؤجلا لم يمكن من الإقامة ، ويوكل من يستوفيه ؛ لأن التفريط منه . فإن أراد أن يضع ويتعجل فهل يجوز ذلك ، على روايتين منصوصتين أشهرهما المنع ، وأصحهما عند شيخنا الجواز . والمنع قول ابن عمر - رضي الله عنهما - والجواز قول ابن عباس - رضي الله عنهما - وروى ابن عباس - رضي الله عنهما - -