أبي منصور الماتريدي
318
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . في الآية إضمار فعل أو فاعل لكي تصح المقابلة ؛ لأنه إنما يقابل فعل بفعل ، أو فاعل بفاعل ، لا يقابل فعل بفاعل ، ولا فاعل بفعل ، فهاهنا ذكر السقاية وعمارة المسجد مقابل من آمن بالله ، فهو - والله أعلم - : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر ؟ ! أو أن يقال : أجعلتم القائم بإصلاح سقاية الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ؟ ! ليكون مقابلة شخص بشخص « 1 » ، أو فعل بفعل . ثم لا يصح أن يجمع بين الكافر والمؤمن ، فيقال : لا يستويان عند الله ، وإن كان الكافر قد أتى بالمحاسن ، إلا أن يقال : ليس من فعل محاسن في حال كفره ثم آمن من بعده كمن [ آمن و ] « 2 » فعل محاسن وهو مؤمن ، هذا يجوز أن يجمع فيقال « 3 » : لا يستوون عند الله ، وأما الكافر الذي مات على الكفر وإن عمل خيرات ، والمؤمن الذي عمل الصالحات فمات على ذلك ، فيجمع فيقال : لا يستويان فلا . أو أن يقابل « 4 » بالجهاد الذي ذكر : لا يستوي من بذل نفسه للقتل والتلف كمن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام ولم يبذل نفسه لذلك ؛ فأما أن يقال : لا يستوي الكافر والمؤمن ، فذلك غير محتمل « 5 » ؛ لأنه إنما يقابل الشيء بالشيء إذا قرب بعضه من بعض ، وأما عند البعد منه فلا يقال ولا يقابل . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . ما داموا في ظلمهم ، وما داموا اختاروا الظلم ، لا يهديهم وقت اختيارهم الظلم ، أو لقوم مخصوصين ، وقد ذكرنا معناه في غير موضع . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قوله : آمَنُوا ، أي : صدقوا رسول الله في جميع ما يخبر عن الله أنه صادق ، وفي جميع ما دعا إليه
--> ( 1 ) في أ : لشخص . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : فقال . ( 4 ) في أ : يقال . ( 5 ) في أ : محصل .