أبي منصور الماتريدي
319
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأمرهم به ونهاهم عنه أنه محق ، وإلا كانوا مؤمنين بالله ؛ كقولهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، وقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] كانوا مؤمنين بالله ، لكنهم يكذبون الرسل ورسالتهم « 1 » . أي : فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم ، وهجروا جميع ما تحبه أنفسهم وتهواه ، وتميل إليه القلوب مما ذكر في الآية التي تتلو هذه الآية ، وفارقوا ذلك الكل ؛ إشفاقا على دينهم ؛ ليسلم ما لو أعطوا قبل الإسلام الدنيا وما فيها مما أوعدوا « 2 » بكل وعيد وخوف ، ما فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية ، ثم إذا أسلموا فارقوهم وأجابوا رسول الله في ذلك ابتغاء مرضاة الله ، وطلبا لرضوانه ؛ ليعلم عظيم « 3 » قدر الدين في قلوبهم ، وخطير منزلته عندهم ؛ ليعلم أن محن أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أعظم وأشدّ من محننا ؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم وخلاف ما طبعوا [ عليه ] « 4 » ؛ لأن الإنسان مطبوع على حب ما ذكرنا ، مجبول عليه ، فهم مع ذلك تركوا وفارقوا ذلك ، وتحملوا كراهة ذلك ؛ ابتغاء مرضاة ربهم . وأما محننا : فإنها على سبق من العادة ، فهي أهون وأيسر . وقوله : وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . أي : بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها وهي الأموال والأنفس . وقوله - عزّ وجل - : أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ . قال بعض أهل التأويل « 5 » : من صدقوا بتوحيد الله ، وهاجروا إلى المدينة ، وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم - أعظم درجة عند الله من الذين افتخروا بعمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار . وكذلك قالوا في قوله : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ولكن الوجه في ذلك عندنا ومعنى المقابلة : أولئك الذين ذكر أعظم درجة عند الله من الذين أسلموا [ من بعد ولحقوا ] . وقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ .
--> ( 1 ) في أ : ولرسالتهم . ( 2 ) في أ : إذا وعدوا . ( 3 ) في أ : عظم . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 336 ) ( 16573 ) عن ابن عباس بنحوه .