أبي منصور الماتريدي
316
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال : أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ والعباس قد أسلم من بعد ، فلا يحتمل هذا الوعيد بعد الإسلام . وقال غيرهم من أهل التأويل : قوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ، أي : ما كان بالمشركين « 1 » عمارة مساجد الله ، إنما كان بهم خراب مساجد الله ، إن المساجد إنما تعمر بالذكر فيها ، والصلاة وإقامة الخيرات ؛ كقوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ الآية [ النور : 36 ] ، وهم لم يعمروها لذكر اسم الله فيها ، إنما عمروها لذكر الأصنام والأوثان ، فكان بهم خراب المسجد ، لا العمارة . وقال بعضهم : قوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ على ما عندهم ؛ لأن الذي منعهم عن الإيمان بالله حبهم الدنيا وميلهم إليها ، فما « 2 » ينبغي لهم أن يعمروها وينفقوها ، ويضيعوا أموالهم فيها ، ولا ينتفعوا ، [ أي الذي ] « 3 » منعهم عن التوحيد والإيمان حبهم الدنيا ، وشهواتهم ، وميلهم إليها ؛ فعلى ما عندهم ما ينبغي لهم أن يعمروها . وقال بعضهم : قوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ أي : ما كان على المشركين أن يعمروا مساجد الله ؛ لأنهم لا ينتفعون بها في الآخرة ، [ و ] لا يؤمنون بالآخرة ، وإنما يقصد بعمارة المساجد والإنفاق عليها الثواب في الآخرة ، وهم لا يؤمنون بها ، فتضيع نفقتهم في ذلك ؛ إذ لا مقاصد لهم ولا منفعة ، إنما ذلك على المسلمين . ويجوز « له » بمعنى عليه ؛ كقوله : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] ، أي : فعليها . وقوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ يحتمل هذا : أي : ما كان بالمشرك عمارة مساجد الله ، إنما تكون عمارته بمن آمن بالله واليوم الآخر ، لا بمن أشرك بالله وكفر بالآخرة . وقوله : شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ قال بعضهم : شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ، أي : على نفس محمد ومن آمن معه ؛ سماهم أنفسهم ؛ لأنهم من قرابتهم وأرحامهم ، وقد سمى الله المتصلين بهم بذلك ؛ كقوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] ، وقوله : فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النور : 61 ] ؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا . أو شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ عند الضرورات عند نزول العذاب بهم ، وعند
--> ( 1 ) في ب : للمشركين . ( 2 ) في أ : مما . ( 3 ) سقط في أ .