أبي منصور الماتريدي

313

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لهم المنافع التي كانوا ينتفعون بها ، وفي الأمر بالقتال خوف الهلاك ، فإذا خافوا الهلاك على أنفسهم امتنعوا عنه ؛ كقوله : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا الآية [ الأحزاب : 18 ] ؛ خوفا وإشفاقا على أنفسهم ؛ لما ذكرنا أنهم إنما كانوا يظهرون الإيمان باللسان ؛ ليسلم لهم ما طمعوا من المنافع ؛ كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ الآية [ الحج : 11 ] ، هذا وصف المنافق . وأما المؤمن المحق للإيمان ، المخلص للإسلام : فإنه يسلم نفسه لله في جميع أحواله ، وإن كان فيه تلف نفسه ؛ لما لم تكن عبادته لله على حرف ووجه كالمنافق ، ولكن على الوجوه كلها ، والأحوال جميعا ، عبادته تكون لله ، لا يمنعه خوف الهلاك عن القتال ؛ بل نفسه تخضع لذلك وترضى ، ولا كذلك المنافق . وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام . ثم قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ يحتمل وجهين : أحدهما : أي : قد حسبتم أن تتركوا على ما أظهرتم من الموافقة والخلاف في السر ، ولا تبتلون وتمتحنون بما يظهر منكم ما أضمرتم ، فلا تحسبوا ذلك . والثاني : أَمْ حَسِبْتُمْ أي : لا تحسبوا أن تتركوا على ذلك ، ولا تمتحنوا بالجهاد والقتال . أحد التأويلين يخرج على النهي ، والثاني على الإخبار عما حسبوا ، وعما عندهم . ثم قوله : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [ آل عمران : 142 ] . أي : ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهدا ، ويعلم ما قد علم أنه يكون كائنا ، لا على حدوث علمه بذلك ؛ إذ هو موصوف بالعلم بكل ما يكون في وقت ما يكون على ما يكون ؛ فيكون قوله : ليعلم المجاهدين من كذا ، وليعلم الصابرين من كذا ؛ أي : ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهدا ، وليعلم « 1 » ما قد علم أنه يكون كائنا ؛ لأنه لا يجوز أن يوصف الله بالعلم بما ليس يكون أنه يعلمه كائنا ، كما لا يجوز أن يوصف أنه يعلم من الجالس القيام في حال جلوسه ، ومن المتحرك السكون في حال حركته ، ومن المتكلم السكوت في حال كلامه ، إنما يوصف بالعلم على الحال الذي عليه الخلق ، لا يوصف بالعلم في حال غير الحال الذي هو عليه ، والله الموفق . ويحتمل هذا وجها آخر : أن فيما أضاف العلم إلى نفسه كان المراد منه أولياؤه ؛

--> ( 1 ) في ب : أو يعلم .