أبي منصور الماتريدي

300

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم قوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ من غير أن يبين استجارته لما ذا ، يحتمل أن يكون ترك بيانه ؛ لما في الجواب ذلك بقوله : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ، وذلك كقوله : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ النساء : 176 ] أنه في الجواب بيان ما استفتوا . ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان . وذلك قريب ؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا ، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض ، تذهب منفعة التضييق ، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام ، وحسن رعاية أهل الإسلام ، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه ، رجاء أن يجيبوا ، فلذلك يؤذنون ، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم . وقد روي عن نبي الله صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو ؛ إلى الإسلام « 1 » ، فيما قد كان دعاهم غير مرة « 2 » ، فذلك المعنى عند الأمان أولى ، والله أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه بمعناه مسلم في صحيحه ( 3 / 1356 ) في كتاب الجهاد باب تأمير الإمام الإسراء على البعوث ( 4 / 1731 ) . وأحمد ( 5 / 352 ، 358 ) ، والدارمي ( 2444 ، 2447 ) ، وأبو داود ( 2612 ، 2613 ) ، والترمذي ( 1408 ، 1617 ) ، وأبو يعلى ( 1413 ) ، وابن الجارود ( 1042 ) ، والطحاوي ( 3 / 206 ، 207 ) وابن حبان ( 4739 ) ، والبيهقي ( 9 / 15 ، 49 ، 97 ، 184 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 5 / 548 ) ، ( 2663 ) . ( 2 ) أرسل الله محمدا صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس كافة ، وأمره بتبليغ رسالته ، والدعوة إلى الإيمان بها ، ثم أذن له في قتال المعرضين المستكبرين ، وقد اتفق العلماء على أن تبليغ الدعوة الإسلامية أمر يقضي به منصب النبوة وهو مقتضى الرسالة : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] . وهذا التبليغ لا محل للكلام فيه ، وإنما الكلام في أنه إذا أراد المسلمون قتال قوم ، فهل يجب عليهم أن يدعوهم قبل الشروع في القتال دعوة خاصة غير التبليغ الذي وجب بمقتضى الرسالة ، أو يصح لهم أن يفاجئوهم من غير تجديد لدعوتهم ؟ وهنا اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة مذاهب : المذهب الأول : عدم وجوبها وإليه مال فريق من العلماء . المذهب الثاني : وجوبها مطلقا سواء بلغتهم الدعوة قبل ذلك أم لا وإليه ذهب الإمام مالك والهادوية . المذهب الثالث : التفصيل : وهو أنه إذا لم تكن الدعوة العامة قد بلغتهم وجبت دعوتهم قبل القتال ، وإذا كانت قد بلغتهم لم تجب دعوتهم ، بل تستحب ، وهو مذهب الحنفية والشافعية ، والحنابلة ، وأكثر أهل العلم . الأدلة : استدل القائلون بعدم الوجوب ، بما جاء في حديث متفق عليه عن ابن عوف قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إلي : إنما كان ذلك في أول الإسلام ، وقد أغار رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث ، حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش ؛ فدل هذا الحديث على عدم وجوب الدعوة قبل القتال ؛ لأنها قد انتشرت وعمت ولم يبق ممن لم تبلغهم -