أبي منصور الماتريدي

301

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه ؛ إذ « 1 » الذي به يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع ؛ نحو

--> - الدعوة إلا النادر القليل . واستدل الإمام مالك ومن معه على الوجوب مطلقا : بحديث بريدة حيث قال : قال صلى اللّه عليه وسلم : « وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم » رواه أحمد ومسلم ، فذكر الإسلام ثم الجزية ثم القتال . وهو ظاهر في الإطلاق ، بلغتهم الدعوة أم لا . واستدل المفصلون على وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تسبق دعوتهم بما رواه أحمد عن ابن عباس قال : « ما قاتل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم » . ولأنهم بالدعوة إلى الإسلام يعلمون أننا نقاتلهم على الدين لا على شيء آخر من الأموال والنساء والذراري وغير ذلك من متاع الدنيا ، فلعلهم يستجيبون لداعي الهدى فيحصل المقصود من غير احتياج إلى قتال وسفك دماء ؛ وعلى ذلك يكون من قاتل قبل الدعوة آثما . وللعلماء في حكم التضمين خلاف ليس هذا محله . وأما من بلغتهم الدعوة فلا يجب علينا أن ندعوهم مرة أخرى ، ولكن يستحب فقط مبالغة في الإنذار وقطعا لحجتهم ، وإنما لم تجب لما رواه أحمد والبخاري عن البراء بن عازب أنه قال : « بعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم رهطا من الأنصار إلى أبي رافع ، فدخل عبد الله بن عتيك بيته ليلا فقتله وهو نائم » . ولما روي من الإغارة على بني المصطلق وهم غارون ، ويرون أنه بهذا التفصيل يمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة . مناقشة الأدلة : أما القائلون بعدم الوجوب مطلقا فيرد عليهم ما جاء في حديث بريدة من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ادعهم إلى الإسلام » فإنه صلى اللّه عليه وسلم قد أمر بالدعوة والأمر ظاهر في الوجوب . وأما القائلون بالوجوب مطلقا فيرد عليهم ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه أغار على بني المصطلق وهم غارون ، ولو كانت الدعوة واجبة مطلقا ما أغار عليهم من غير دعوة . ولهم أن يجيبوا بأن ذلك فعل ، وهو يحتمل الخصوصية دون القول . والذي نختاره هو مذهب الجمهور القائل بالتفصيل ؛ لما سبق من أن فيه جمعا بين الأدلة ، وبأن وجوب الدعوة معلل باحتمال قبول العدو الإسلام لو عرض عليه قبل القتال وإلزامه الحجة ، فإذا سبقت الدعوة وعلمت فقد انتهت هذه العلة فينتهي حكم الوجوب بانتهائها ، ولم يبق إلا المبالغة في الإنذار فلذلك ندعوهم للإسلام ، وعلى ما قلنا من انتهاء الوجوب لانتهاء العلة يحمل فعله صلى اللّه عليه وسلم من إغارته على بني المصطلق وهم غافلون . وهذا مذهب وسط ، وجدير بالاعتبار والتقدم على غيره عند المقارنة فلم يذهب إلى وجوب الدعوة مطلقا ولو كانت قد بلغتهم ؛ لأن ذلك يضر المسلمين ويضيع عليهم فوائد كثيرة ؛ لأنهم لو اشتغلوا بالدعوة حينئذ ربما راوغهم الأعداء حتى يتحصنوا ويستعدوا للمسلمين فلا نقدر عليهم بعد ذلك ، ولم يذهب إلى عدم الوجوب مطلقا لأن ذلك يجعل حجة الكفار قائمة علينا ، وقد يكونون مستعدين لقبول الإسلام لو عرضناه عليهم فيفوت الغرض الأصلي من الجهاد وهو نشر دين الإسلام وإذاعة تعاليمه بين الناس لهدايتهم أجمعين . ينظر : الجهاد لشحاتة محمد ص ( 23 ، وما بعدها ) . ( 1 ) في أ : أن .