أبي منصور الماتريدي
292
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال آخرون : هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم ، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة ، وهو قوله : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [ البقرة : 191 ] ، وقال : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 191 ] أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام . وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم ، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك ، على ما روي أن عليّا نادى بالموسم : ألا لا يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون ، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا ، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم ؛ كقوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] والله أعلم . وقوله : وَخُذُوهُمْ قيل : ائسروهم « 1 » . وقوله : وَاحْصُرُوهُمْ قيل : احبسوهم « 2 » ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، والمرصد : الطريق « 3 » ؛ كأنه أمر بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ بقتلهم إذا قدروا عليهم ، وأمكن لهم ذلك ، والأسر « 4 » عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن ، وحفظ المراصد عند غير الإمكان ؛ لئلا يغروا ، ويقال : أرصدت له ، أي : انتظرت أن أجد فرصتي ، ويقال : ترصدته ، أي : انتظرته . وقال بعضهم : قوله : كُلَّ مَرْصَدٍ أي : كل طريق يرصدونكم ؛ كأنه أمر بذلك ؛ ليضيق عليهم الأمر ؛ ليضجروا وينقادوا . وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به ؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد ؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد ، فينقادوا ، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم . وقوله : وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يحتمل أن يكون قوله : وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ أي : أقيموا عليهم الحجج والبراهين ؛ ليضطروا إلى قبول ذلك ، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ : [ قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين ، فقال : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
--> ( 1 ) قاله الطبري ( 6 / 320 ) والخازن والبغوي ( 3 / 80 ) . ( 2 ) ينظر ما سبق . ( 3 ) ينظر ما سبق . ( 4 ) في أ : الأمر .