أبي منصور الماتريدي
293
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وَجَدْتُمُوهُمْ وقال : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ] « 1 » فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة ؛ لأن الله - تعالى - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم ، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه . روي عن أنس قال : لما توفي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ارتدت العرب كافة ، فقال عمر : يا أبا بكر ، أتريد أن تقاتل العرب كافة ؟ ! فقال أبو بكر : إنما قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، منعوني دماءهم وأموالهم » والله لو منعوني عناقا مما كانوا يعطون رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قاتلتهم عليه . قال عمر : فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق « 2 » . وفي بعض الأخبار قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله ، ونصلي ، ولكن لا نزكي ، فمشى عمرو البدريون إلى أبي بكر ، فقالوا : دعهم ؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدّوا ، فقال : والله ، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قاتلتهم عليه ، قيل : أو قاتل رسول الله على ثلاث : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وقال الله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن ، فقالوا : إنا نزكي ، ولكن لا ندفعها [ إليك ] « 3 » ، فقال : والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأضعها مواضعها . وقال آخرون : قوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ في قبولهم والاعتقاد بهما دون فعلهما ، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك ، واستدلوا بما روى في بعض الأخبار عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله [ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها » « 4 » وقالوا في بعض الأخبار : أمرت أن أقاتل
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1399 ) و ( 1400 ) ومسلم ( 32 / 20 ) وأحمد ( 1 / 19 ، 47 ) وأبو داود ( 1556 ) والترمذي ( 2607 ) والنسائي ( 5 / 14 ) عن أبي هريرة . وأما حديث أنس فلفظه : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » . أخرجه البخاري ( 392 ) وأحمد ( 3 / 199 ، 224 ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 35 / 21 ) عن جابر بن عبد الله .