أبي منصور الماتريدي

279

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « العم والد إذا لم يكن دونه أب ، والخالة والدة إذا لم تكن دونها أم » . وردّ هذا : بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما أعطى ابن أخت أبي الدحداح لمصلحة رآها لا ميراثا ؛ لأنه لما قيل : لا وارث له دفعه إليه ، على أنه يجوز أن تكون قضية خاصة قد يخفى سببها ؛ فلا يصح ادعاء العموم فيها . ونظيره : ما رواه عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا مات ولم يدع وارثا إلا غلاما له كان أعتقه فقال رسول صلى اللّه عليه وسلم : « هل له أحد ؟ » قالوا : لا إلا غلاما كان أعتقه ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « هل له أحد ؟ » قالوا : لا إلا غلاما فجعل صلى اللّه عليه وسلم ميراثه له . ومعلوم أنه لا يستحق ميراثا ولكنه فعل ذلك لمصلحة رآها . ونظيره أيضا : ما رواه عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : مات رجل من خزاعة فأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم بميراثه ، فقال : « التمسوا له وارثا أو ذات رحم » فلم يجدوا له وارثا ولا ذات رحم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أعطوه الكلّ من خزاعة » ، فميز صلى اللّه عليه وسلم بين الوارث والرحم ؛ فدل على أنه غير وارث ، ثم أمر بدفع ميراثه إلى الكلّ من قومه ؛ لأنه رأى المصلحة في إعطائهم . أما الجواب عن حديث « العم والد . . . إلخ » فهو محمول على ما سوى الميراث من الحضانة ، وإلا فليست الخالة كالأم عند عدمها في الميراث إذا كان هناك وارث . رابعا - ولأن كل من أدلى بوارث كان وارثا كالعصبات . وأجيب عنه بالنقض ببنت المولى في الولاء ، فإنها لا ترث مع إدلائها بعاصب وارث . خامسا : قالوا : ولأن ذوي الأرحام شاركوا المسلمين في الإسلام وفضلوهم بالرحم ؛ فوجب أن يكونوا أولى منهم بالميراث كالمعتق : لما شارك المسلمين في الإسلام وفضل عنهم بالعتق صار أولى منهم بالميراث ، وكالأخ الشقيق : لما شارك الأخ للأب وفضله بالأم كان أولى بالإرث . والجواب : النقض ببنت المولى ؛ لأنها قد فضلتهم بكونها بنت عاصب مع التساوي في الإسلام ، ثم لا تقدم عليهم ، على أن المسلمين قد فضلوهم بالتعصيب ؛ لأنهم يعقلون فكانوا أولى بالميراث . وقال تعالى : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ . . . [ النساء : 7 ] فقالوا : إن العمات والخالات وأولاد البنات والأخوال من الأقربين فوجب دخولهم فيها . غاية ما في الباب أن قدر ذلك غير مذكور في هذه الآية ، لكنا نثبت استحقاقهم لأصل النصيب بها ، وأما المقدار فمستفاد من سائر الدلائل . وأجيب عن هذا بما يأتي : - قال تعالى في آخر الآية : نَصِيباً مَفْرُوضاً [ النساء : 7 ] أي : مقدرا ، وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ؛ فثبت أنهم غير داخلين في هذه الآية . - أن هذه الآية خاصة بالأقربين ، فلم قلتم : إن ذوي الأرحام من الأقربين مع أنه لا يصح ذلك ؟ لأنه إما أن يكون المراد من الأقربين : من كان أقرب من شيء آخر ، أو من كان أقرب من جميع الأشياء . والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ؛ فإن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وأقله الانتساب إلى آدم عليه السلام ، ولا بد أن يكون هو أقرب إليه من ولده إليه ؛ فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص ، وهو باطل ، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني ، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد ؛ فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام ، ولا يقال : لو حمل الأقربون على هذا المعنى فيعم الوالدين للزم التكرار ؛ لأنا -