أبي منصور الماتريدي
280
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إن أولي الأرحام بالميراث أولى من جملة المؤمنين ، وهو بيت المال ، فما دام واحد من هؤلاء فهو أولى بالميراث ، وعلى ذلك يخرج قولهم في العقل « 1 » : إنه على ذوي الأرحام ما داموا هم ، فإذا لم يكن أحد منهم فهو على جملة المؤمنين في بيت المال . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بالعباد وما يكون منهم ، و بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بما يحتاجون وما لا يحتاجون ، وهو حرف وعيد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ . أي : بعضهم أولى ببعض في حق التوارث من المؤمنين الذين هاجروا ، فنسخت هذه الآية حكم الميراث الذي ذكر في قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ؛ لأنه كان جعل التوارث بينهم بحق الإيمان والهجرة ، ثم نسخ ذلك وجعل الميراث بالرحم ؛ حيث قال : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ؛ وكذلك ما ذكر في سورة الأحزاب حيث قال : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ [ الأحزاب : 6 ] ، فإذا لم يبق من الرحم أحد فبعد ذلك يكون جملة المؤمنين . وقوله - عزّ وجل - : فِي كِتابِ اللَّهِ .
--> - نقول : الأقرب جنس يندرج تحته نوعان : الوالد والولد ، فذكر سبحانه النوع ، ثم ذكر الجنس ؛ فلم يلزم التكرار . - أن أصل الفرض : الحز والقطع ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ « الفرض » بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل ، ظني ؛ فقالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأما الوجوب فهو عبارة عن السقوط يقال : وجبت الشمس ، إذا سقطت . ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط ؛ فلهذا السبب خص لفظ « الفرض » عندهم : بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، ولفظ « الوجوب » : بما وجبه بدليل مظنون . وهذا يقضي عليهم بأن الآية لم تتناول ذوي الأرحام ؛ لأن توريثهم ليس من باب ما عرف بدليل قاطع بالإجماع ؛ فلم يكن توريثهم فرضا ، والآية إنما تناولت التوريث المفروض ؛ فلزم القطع بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام . هذا ، والحق أن الوجوب في اللغة هو الثبوت ، وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو « الوجبة » و « الوجيب » ، وإن كان استعمال الفرض فيما ثبت بقطعي والواجب فيما ثبت بظني شائعا مستفيضا ؛ كقولهم : الوتر فرض ، والصلاة واجبة . ومن هذا التحقيق يتبين أنه لا وجه لرد الشافعية على الحنفية بهذا الوجه . ينظر : المواريث لوهبة إبراهيم ص ( 90 - 97 ) . ( 1 ) العاقلة : صفة موصوف محذوف ، أي : الجماعة العاقلة . يقال : عقل القتيل ؛ فهو عاقل : إذا غرم ديته ، والجماعة : عاقلة ، وسميت بذلك ؛ لأن الإبل تجمع ، فتعقل بفناء أولياء المقتول ، أي : تشد في عقلها لتسلم إليهم ويقبضوها ؛ ولذلك سميت الدية : عقلا ، وقيل : سميت بذلك ؛ لإعطائها العقل الذي هو الدية ، وقيل : سموا بذلك ؛ لكونهم يمنعون عن القتال ، وقيل : لأنهم يمنعون من يحملونها عنه من الجناية ، لعلمهم بحملها . ينظر : المطلع ص ( 368 ) .