أبي منصور الماتريدي
273
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعن ابن عباس في قوله : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [ النساء : 33 ] قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون الأنصار دون رحمهم بالأخوة التي آخى النبي بينهم ، فلما نزل قوله : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ، نسخها : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر ، والنصيحة ، والرفادة ، ويوصي له ولا ميراث « 1 » . وعن الحسن في قوله - تعالى - : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فكان المسلمون يتوارثون بالهجرة ، فكان الأعرابي لا يرثه المهاجر ، والمهاجر لا يرثه الأعرابي ، فحرضهم بذلك على الهجرة ، حتى كثر المسلمون ، فأنزل الله - تعالى - : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ . . . الآية ، فورث الأعرابي المهاجر وتوارثوا بالأرحام . إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل ، وكانوا يرون أن الهجرة كانت مفترضة ، فزال فرضها بقول النبي - عليه السلام - : « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية » « 2 » . وعن عائشة « 3 » - رضي الله عنها - قالت : انقطعت الهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، فإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله ، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفيئوا عنه ، وقد أفشى الله الإسلام . هذا الذي ذهب هؤلاء في قوله : بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في التوارث [ محتمل ] « 4 » . ويحتمل غير هذا ، وهو أن قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا . . . إلى قوله : وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ أي : بعضهم أولياء بعض ] « 5 » في تمام الولاية ، في التناصر ، والتعاون ، والحقوق ، والديانة ، فهم أولى بعضهم ببعض من الذين آمنوا ولم يهاجروا ؛ لأنهم آمنوا وهاجروا ، أي : تركوا منازلهم وأهلهم وقراباتهم وبلدهم الذي كانوا فيه مقيمين ؛ إشفاقا على دينهم ، واستسلاما لهم ولأنفسهم ، والأنصار آووهم ، وأنزلوهم في منازلهم ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم ، وتحملوا جميع مئونتهم من غير أن كان سبق منهم إليهم شيء ، فصاروا لهم أعوانا وأنصارا ، فصار بعضهم أولياء بعض في تمام ما ذكرنا من الولاية : [ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، أي : ما لَكُمْ مِنْ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4580 ) وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم والبيهقي في سننه ، كما في الدر ( 2 / 268 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 2825 ) ومسلم ( 445 / 1353 ) عن ابن عباس . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 3900 ) . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في أ .