أبي منصور الماتريدي
257
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . في النصر لهم على عدوهم والغلبة عليهم . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 67 إلى 71 ] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 69 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 ) وقوله - عزّ وجل - : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . قال أبو بكر الكيساني : عاتب الله رسوله وأصحابه في أخذ الأسارى بقوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . وبالغ في العتاب في أخذ الفداء من الأسارى بقوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . وكذلك روي عن رسول الله أنه لما استشار أصحابه في الأسارى ، أشار أبو بكر إلى أخذ الفداء ، وعمر إلى القتل ، فقال : « لو نزل من السماء عذاب ما نجا إلا عمر » « 1 » . عاتبهم بالأخذ أخذ الأسارى ، وأشد العتاب في أخذ الفداء ، وأمر بالقتل وضرب الرقاب بقوله : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ الأنفال : 12 ] إنما أمر بضرب الرقاب وضرب البنان ، وكذلك يخرج قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . . . الآية [ الأنفال : 68 ] على العتاب ؛ إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم . وعن ابن عباس قال : لم يكن الأنبياء - صلوات الله عليهم - فيما مضى يكون لهم أسارى حتى يثخنوا في الأرض . وعن سعيد بن جبير قال : لا يفادى أسارى المشركين ، ولا يمن عليهم حتى يثخنوا بالقتل ، ثم تلا : حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ الآية [ محمد 47 ] ؛ إلى هذا ذهب هؤلاء « 2 » . وقوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى . يخرج تأويل الآية على وجهين :
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 291 ) ( 16333 ) عن ابن زيد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 366 ) وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 287 ) ( 16303 ) بنحوه .