أبي منصور الماتريدي

258

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدهما : يقول : ما كان لنبي أن يأخذ من الأسرى الفداء ، حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي : يغلب ، حتى إذا أخذ الفداء وسرحهم بعد ما غلب في الأرض ، يكون رجوعهم إلى غير منعة وشوكة ، وإذا لم يغلب في الأرض ، أي : حتى يصير الدين كله لله ؛ كقوله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ الآية [ البقرة : 193 ] ، هذا كان لمن قبله ، فرخص لرسوله ذلك . وقيل في قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ بوجوه : أحدها : ما قال أبو بكر الأصم : تأويله : لولا كتاب من الله سبق ألا يعذب المخطئين في عملهم على خلاف أمره ، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم من الأسارى والفداء منهم عذاب عظيم . وقال آخرون « 1 » : قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ : أي : أحل الغنائم لهذه الأمة ، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم واستحللتم عذاب عظيم . وقال بعضهم : لولا كتاب من الله سبق أنهم يتوبون عما عملوا من الأخذ وغيره ، وأنه يتوب عليهم ، وإلا لمسكم العذاب [ بذلك وأمكن أن يكون ] « 2 » التأويل في غير هذا كان في قوله : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ الأنفال : 12 ] دلالة إباحة الأمر ورخصته ؛ لأنه قال : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ هو الإبانة من المفصل الذي تبان به الرؤوس ، وذلك قلما يمكن في القتال ، ولا يقدر إبانة الرؤوس في الحرب ، إنما يمكن ذلك بعد ما أخذوا أو وقعوا في أيديهم . وأما ما ذكر من ضرب البنان : فهو في الحرب ؛ لأنه في الحرب إنما يضرب فيما ظفر ووجد السبيل إلى ذلك ، ففيه دلالة . وتأويل قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ . . . الآية : يحتمل أن يكون ملحقا على ما سبق من قوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ . . . الآية [ الأنفال 5 - 6 ] ، أي : لولا « 3 » [ أن ] من حكم الله أن يجعل لكم الظفر على إحدى الطائفتين ، وإلا لمسكم العذاب بمجادلتكم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 6 / 289 ) ( 16313 ) عن الضحاك ، و ( 16310 ) ، ( 16311 ) عن ابن عباس . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 367 ) وزاد نسبته لإسحاق بن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) زاد في ب : « كتاب من الله سبق » أي : لولا .