أبي منصور الماتريدي

248

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها . وبعد : فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم ، وفي الاشتغال بالاستعداد ترك للطاعة له ، وأمر - عزّ وجل - بالاعتداد لهم ما استطاعوا من الأسباب ؛ لما أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد ، وإن كان - عزّ وجل - قادرا أن ينصرهم على عدوهم بلا سبب يجعله لأنفسهم ، وهو كقوله : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [ الحشر : 13 ] . فأمر الله بالأسباب في الحروب ، وإن كان قادرا على نصر أوليائه على عدوه بلا سبب ، لكنه أمر بالأسباب ؛ لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب ، من نحو الموت والحياة وجميع الأشياء ، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق جميعا بلا غذاء يجعل لهم ، والموت بلا مرض ولا سبب ، ولكن فصل بما ذكرنا . ثم اختلف في قوله : مِنْ قُوَّةٍ ؛ قال بعضهم « 1 » : القوة : الرمي ، وعلى ذلك رووا عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ فقال : « ألا إن القوة الرمي » ، قال ذلك ثلاثا « 2 » . ويحتمل قوله : مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ : ما تقوون به [ في ] « 3 » الحروب . قال بعضهم « 4 » : القوة : السلاح . وقال غيرهم « 5 » : الخيل . وأمكن أن تكون جميع أسباب الحرب . وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم ، ويكون قوله : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ [ التوبة : 42 ] أراد استطاعة الأسباب لا استطاعة الفعل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ، أمر برباط

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي عن عقبة بن عامر ، وابن المنذر عن مكحول وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس كما في الدر المنثور للسيوطي ( 3 / 348 - 349 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1522 ) كتاب الإمارة ، باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه ( 167 / 1917 ) ، وأبو داود ( 2 / 16 ) كتاب الجهاد ، باب في الرمي ( 2514 ) ، وابن جرير ( 6 / 274 ) ( 16239 ) ( 16244 ) عن عقبة بن عامر ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 348 ) وزاد نسبته لأحمد وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عقبة ابن عامر الجهني . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 275 ) ( 16247 ) عن السدي . ( 5 ) ذكره بمعناه البغوي في تفسيره ( 2 / 258 ) ، وكذا السيوطي ( 3 / 349 ) وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس .