أبي منصور الماتريدي
231
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - الوجوب ، أما حكمه في الندب فلا ، بخلاف التعبير بقولهم : « الأمر بالشيء نهي عن ضده » ؛ فإنه يفيد حكم الضد فيهما ؛ لأن الأمر بالشيء بصيغته عند عدم القرينة التي تصرف عن الوجوب إلى الندب يدل على الوجوب ، ومع القرينة الصارفة يدل على الندب ، فالتعبير بالأمر يتناول الوجوب والندب ، والتعبير بالنهي يتناول التحريم والكراهة ؛ لأن النهي إن كان جازما ، فهو التحريم ، وإن كان غير جازم فهو الكراهة . ومن هذا المنطلق يكون الأمر بالشيء دالا على تحريم الضد إن كان الأمر للوجوب ، ودالا على كراهته إن كان الأمر للندب ؛ فيكون التعبير بقولهم : « الأمر بالشيء نهى عن ضده » مفيدا لحكم الضد في النوعين . ثانيا - أن التعبير بقولهم : « وجوب الشيء . . . إلخ » فيه باب لحكم النقيض في الوجوب مطلقا ، أي : سواء كان الوجوب مأخوذا من صيغة الأمر ، أو من غيرها ، مثل فعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم والقياس ، وغير ذلك ، بخلاف التعبير بقولهم : « الأمر بالشيء . . . إلخ » ؛ فإنه لا يفيد إلا حكم الضد في الوجوب المأخوذ من صيغة الأمر دون حكم الضد في الوجوب المستفاد من غيرها . ثالثا - أن التعبير بقولهم : « الأمر بالشيء نهي عن ضده . . . إلخ » يفيد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو ضد المأمور به ، وليس نقيضه . أما التعبير بقولهم : « وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه » فإنه يفيد أن نقيض الواجب موضع خلاف بينهم ، وأن من العلماء من يقول بأن : « الأمر بالشيء ليس دالا على النهي عن نقيضه » وهو باطل ؛ لأن الإجماع منعقد على أن نقيض الواجب منهي عنه ؛ لأن إيجاب الشيء هو طلبه مع المنع من تركه ، والمنع من الترك هو النهي عن الترك ، والترك هو النقيض ؛ فيكون النقيض منهيا عنه ، فالدال على الإيجاب - وهو الأمر - دال على النهي عن النقيض ؛ لأنه جزؤه ، ضرورة أن الدال على الكل يكون دالا على الجزء بطريق التضمن . وإذا كان الأمر كذلك تعين أن يكون الخلاف في الضد فقط ، ووجب أن يكون التعبير عن ذلك النزاع بما يدل صراحة على محله ، والذي يفيد ذلك هو العبارة الأولى لا الثانية . ويرى أبو الحسن الأشعري ، والقاضي أبو بكر الباقلاني في أول أقواله أن الأمر بشيء معين إيجابا أو ندبا نهي عن ضده الوجودي تحريما أو كراهة ، سواء كان الضد واحدا كالتحرك بالنسبة إلى السكون المأمور به في قول القائل : « اسكن » أو أكثر كالقيام وغيره بالنسبة إلى القعود المطلوب للأمر بقوله : « اقعد » . ومعنى كونه نهيا أن الطلب واحد ، ولكنه بالنسبة إلى السكون في مثالنا أمر ، وبالنسبة إلى التحرك نهي كما يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى شيء قريبا ، وإلى آخر بعيدا . ومثل الشيء المعين في ذلك الشيء الواحد المبهم من أشياء معينة بالنظر إلى مفهومه ، وهو الأحد الذي يدور بينهما ؛ فإن الأمر به نهي عن ضده الذي هو ما عداها ، بخلافه بالنظر إلى فرده المعين ؛ فليس الأمر به نهيا عن ضده منها . وذهب القاضي الباقلاني في آخر ما قال ، والإمام الرازي ، وسيف الدين الآمدي ، وأيضا القاضي عبد الجبار ، وأبو الحسين من المعتزلة - إلى أن الأمر بشيء معين مطلقا يدل على النهي عن ضده استلزاما ؛ فالأمر بالسكون يستلزم النهي عن التحرك ، أي : طلب الكف عنه . وذهب أبو المعالي الجويني ، والغزالي إلى أن الأمر بشيء معين مطلقا ، لا يدل على النهي عن ضده لا مطابقة ولا التزاما . وذهب بعض العلماء إلى أن أمر الإيجاب يدل على النهي عن ضده التزاما دون أمر الندب ؛ فلا يدل على النهي عن ضده لا مطابقة ولا التزاما . والذي نختاره من هذه الآراء : أن الأمر بالشيء إيجابا أو ندبا يستلزم النهي عن ضده تحريما أو -