أبي منصور الماتريدي
230
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 45 إلى 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا . قيل : الفئة : اسم جماعة ينحاز إليها ، وهو من الفيء والرجوع ، يفيئون إليها ويرجعون . ذكر - هاهنا - الفئة ، [ وذكر في الآية التي تقدمت الزحف ، وهو قوله : إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً مكان الفئة ] « 1 » ، ونهى أولئك عن تولية الأدبار بقوله : فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، وقال هاهنا : فَاثْبُتُوا ؛ ليعلم أن في النهي عن تولية الأدبار أمر بالثبات ، وفي الأمر بالثبات نهي عن تولية الأدبار ، فيكون في النهي عن الشيء أمر بضده ، والأمر بالشيء نهي عن ضده « 2 » ، والله أعلم .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قد اختلف العلماء في التعبير عن هذا : فمنهم من عبر عنه بقوله : « الأمر بالشيء نهي عن ضده » ، أو : « يستلزم النهي عن ضده » . ومنهم من عبر بقوله : « وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه » . ولكي نستطيع الموازنة بين هاتين العبارتين نذكر الفرق بين الضد والنقيض ؛ لورودهما فيهما . وبيانه : أن كل واجب كالقعود مثلا المطلوب بقولنا : « اقعد » له أمران منافيان له : أحدهما : يسمى « ضدا » ، والآخر يسمى « نقيضا » ، وكل منهما يغاير الآخر ؛ لأن النقيض ينافي الواجب بذاته ، وهو عدم القعود ؛ حيث إن النقيضين هما الأمران اللذان أحدهما وجودي ، والآخر عدمي ، لا يجتمعان ولا يرتفعان ، كالقعود وعدمه ، في المثال الذي قدمناه ، بخلاف الضد كالقيام ؛ فإنه ينافيه بالعرض ، أي : باعتبار أنه يحقق المنافي بذاته ، وهو النقيض ؛ لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان ، وقد يرتفعان كالقعود والقيام ؛ فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد ، وقد يرتفعان ، ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلا ، إلا أن كل واحد من أضداد القعود يحقق النقيض ، وهو عدم القعود ؛ لأنه فرد من أفراده ، فلم يكن التنافي بين الواجب وضده ذاتيا ؛ بل لأن أحدهما يقتضي نقيض الآخر الذي ينافيه بالذات ، وهذا إذ كان النقيض له أفراد هي أضداد الواجب يحققه كل واحد منها . أما إذا لم يكن له إلا فرد واحد هو ضد الواجب ، ولا يتحقق النقيض إلا به - اعتبر ذلك الضد مساويا للنقيض كالحركة والسكون ، فإن السكون يساوي عدم الحركة ؛ لأن عدم الحركة لا تحقق إلا بالسكون ، وأخذ مع ضده حكم النقيض ؛ فلا يجتمعان ولا يرتفعان ؛ إذ لا تجتمع حركة وسكون في وقت واحد في شيء واحد ، ولا يرتفعان كذلك ، بل لا بد أن يكون الشيء متصفا بأحدهما ، ضرورة أن الشيء الواحد لا يخلو عن حركة أو سكون . والمدقق في هاتين العبارتين يجد بينهما ثلاثة فروق : أولا - التعبير بقولهم : « وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه » لا يفيد إلا حكم النقيض في -