أبي منصور الماتريدي
229
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ . يحتمل قوله : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ . . . الآية ، لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصارا وأعوانا ؛ إذ كان قد وعدهم النصر والإعانة بالملائكة ، وكان العدو مع الملائكة فاستقلوا ؛ لأن العدوّ وإن كانوا كثيرا فهم قليل مع الملائكة ، فرأوهم قليلا على ما كانوا ، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء ؛ لأنهم كذلك كانوا قليلا ، فرأوا على ما كانوا ، ولم يروا الملائكة . وقال بعض أهل التأويل « 1 » : قلل هؤلاء في أعين هؤلاء ، وهؤلاء في أعين هؤلاء ، إذا التقوا ؛ ليغري بعضهم على بعض وليجترئ بعضهم على بعض على القتال ، والله أعلم . وقوله : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا . هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان وعدهم من النصر والظفر للمؤمنين ، والغلبة والهزيمة على أولئك ، وكذلك ذكر في القصة « 2 » أن قوله : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] في بدر فيه وعد ذلك ؛ كقوله : كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا . ويحتمل قوله : لِيَقْضِيَ اللَّهُ ، أي : ليخلق الله وينشئ ما قد علم أنه يكون كائنا ، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون . وقال بعض أهل التأويل : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً : في علمه ، مَفْعُولًا : كائنا ؛ يقول : فيوجب أمرا لا بد كائن ؛ ليعز الإسلام وأهله بالنصر ، ويذل الشرك وأهله بالقتل والهزيمة ، والله أعلم . وهو قريب مما ذكرنا . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ . أي : إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها « 3 » ، له التدبير في ذلك في الدنيا والآخرة . وذكر في بعض القصة « 4 » أن أبا جهل [ - لعنه الله - ] « 5 » لما رأى قلة المؤمنين ببدر قال : والله لا يعبد الله بعد اليوم ، فأكذبه الله وقتله ، فقال : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ لا إلى الخلق ، والله أعلم . وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية ، حتى عرف كل أحد ذلك ، إلا من عاند وكابر عقله .
--> ( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 15 / 136 ) وابن عادل في اللباب ( 9 / 532 ) بنحوه . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4875 ) . ( 3 ) في ب : وتقديره . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 266 ) ، ( 16212 ) عن قتادة . ( 5 ) سقط في أ .