أبي منصور الماتريدي

207

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لله ؛ لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب ، فأضيف إلى الله ذلك ؛ فعلى ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله ؛ لما جعله لإقامة العبادات والقرب وأنواع البر ، والله سبحانه أعلم . والثاني : أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذ كان ذلك لرسوله ، وكان رسول الله في جميع أحواله وأموره [ لله ] « 1 » خالصا ، لم يكن لنفسه ولا لأحد من الخلق ؛ فعلى ذلك جميع ماله وما كانت تحويه يده لم يكن له ، إنما كان ذلك لله خالصا ، يصرف ذلك في أنواع القرب والبرّ ؛ في القرابة ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، الأحياء منهم والأموات جميعا ، والقريب منهم والبعيد جميعا . ألا ترى أنه قال : « إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة » « 2 » ، هذا يدل أن ما يتركه صدقة لا يورث عنه ، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث عن غيره ؛ دل أن نفسه وماله كان لله خالصا ، وكذلك جميع أموره لله . ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوما ، ويشبع يوما ، ويجوع ثلاثا « 3 » ، وكان يربط الحجر على بطنه للجوع « 4 » . فإذا [ كان ذلك ] « 5 » كان إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له ، وخلوص نفسه وماله له ، وإن كان جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة ، لكن لهم فيها الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك ، ولمشاركته غيره في ذلك لم يخصه بالإضافة إليه ، وإن كان ذلك كله لله حقيقة . ولما كانت نفس رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وما تحويه يده لله لا تدبير له في ذلك ، ولا شرك لأحد فيه ، خصّ بإضافة ذلك إليه وكله لله حقيقة ، وهذا كما قال - والله أعلم - : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الحج : 56 ] ، وقال : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ [ غافر : 16 ] ، وقال : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] ، وقال : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً [ إبراهيم : 21 ] خصّ بالذكر ملك ذلك اليوم والبروز له ؛ لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض ، ويذهب سلطانهم

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه مالك في الموطأ ( 2 / 993 ) كتاب الكلام ، باب ما جاء في تركة النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 27 ) ، والبخاري ( 12 / 8 ) كتاب الفرائض ، باب لا نورث ما تركنا صدقة ( 6730 ) ، ومسلم ( 3 / 1379 ) كتاب الجهاد ، باب لا نورث ما تركنا فهو صدقة ( 1758 ) ، وأحمد ( 6 / 262 ) عن عائشة مرفوعا بلفظ : ( لا نورث ما تركناه ، فهو صدقة ) ، وذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 7 / 396 ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي ( 2347 ) وقال : حديث حسن . ( 4 ) أخرجه الترمذي ( 2371 ) وقال : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . ( 5 ) سقط في أ . -