أبي منصور الماتريدي
200
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بقضائها ، وإذا ما تركوا ، فلما لم يجب عليهم أداء شيء من ذلك ، دل أنه لم يكن عليهم في حال كفرهم فعل تلك العبادات ، إنما عليهم اعتقاد تلك العبادات ؛ إذ لو كانت عليهم لكان الانتهاء بقضاء ذلك ؛ كقوله - عليه السلام - : « من نام عن صلاة أو نسيها ، فعليه أن
--> - « والخلاف إما في الجواز ، وإما في الوقوع ، أما الجواز العقلي فواضح ؛ إذ لا يمتنع أن يقول الشارع : بني الإسلام على خمس وأنتم مأمورون بجميعها ، وبتقديم الإسلام من جملتها ؛ فيكون الإيمان مأمورا به لنفسه ، ولكونه شرطا لسائر العبادات كما في المحدث » . وللعلماء في تكليف الكفار بفروع الشريعة مذاهب : المذهب الأول : يرى أصحاب هذا المذهب أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة مطلقا ، أي أداء واعتقادا حال عدم الإيمان . وهذا هو ظاهر مذهب الشافعي ، ورأي الجمهور من أصحابه ، كما هو مذهب العراقيين من الحنفية ، وإليه ذهب أكثر المعتزلة ، والمراد بالتكليف عند هؤلاء : هو أن الكافر مكلف بفعل الواجب وترك الحرام على جهة اللزوم ، أي : أن المكلف ملزم بفعل الواجب وترك الحرام . وأما المندوب والمكروه من الأحكام ، فالكافر مكلف فيهما بالاعتقاد ؛ لأنه لا عقاب عليهما في الآخرة ؛ ولذا عبر في جانبهما بالاعتقاد ، ومن المعلوم أن المباح لا يتعلق به إلا اعتقاد كونه مباحا ، حيث إن المكلف مخير فيه بين الفعل والترك ، وعلى ذلك فلا يمكن القول بأن الكافر مكلف بالمباح . المذهب الثاني : يقول أصحاب هذا المذهب : إن الكفار غير مكلفين بفروع الشريعة مطلقا ، وهذا هو رأي أبي حنيفة ومن معه من مشايخ ديار ما وراء النهر ، وهو المختار أيضا عند متأخري الحنفية ، وعند أبي إسحاق الأسفرائيني من الشافعية ، وإليه ذهب القاضي أبو زيد والإمام السرخسي وفخر الإسلام البزدوي . أما البخاريون من الحنفية فيرون أن الكافر غير مكلف بفروع الشريعة أداء فقط ، أما بالنسبة للاعتقاد فهو مكلف به ؛ إذ الكافر عندهم مكلف باعتقاد اللزوم فقط . المذهب الثالث : يقول أصحاب هذا المذهب : إن الكفار مكلفون بالنواهي فقط دون الأوامر ، وبيانه : أن الكافر لدى هؤلاء مكلف بترك الزنى والقتل والسرقة ، وغير ذلك من النواهي التي نص عليها الشارع الحكيم ، وأما الأوامر فالكافر ليس مكلفا بها . المذهب الرابع : يرى أصحاب هذا المذهب أن المرتد مكلف ، دون الكافر الأصلي فليس مكلفا عندهم . المذهب الخامس : هذا المذهب ذكره الأسنوي في كتابه حكاية عن القرافي حيث قال : ومر بي في بعض الكتب التي لا أستحضرها الآن أن الكفار مكلفون بما عدا الجهاد . وأما الجهاد فلا يكلفون به ؛ لامتناع قتالهم أنفسهم ، دون تعليق من أحد على هذا المذهب . وأدلة كل هؤلاء تنظر في : آراء الأصوليين في تكليف الكفار بفروع الشريعة وأثره في الفقه للدكتور مصطفي فرج ، وأصول السرخسي ( 1 / 73 - 74 ) ، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي ص ( 28 ) ، وشرح البدخشي ( 1 / 155 ) ، وتيسير التحرير للكمال بن الهمام ( 2 / 284 ) ، والتفسير الكبير للرازي ( 15 / 26 ) .