أبي منصور الماتريدي
18
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - استواء نسبته إلى جميع المتعلقات باطل ؛ فبطل ما أدى إليه . بيان الملازمة : أن الكلام كالعلم في أن تعلقه بمتعلقاته يكون لذاته ، وكما أن علمه يتعلق بجميع ما يصح تعلقه به ؛ فكذلك كلامه يتعلق بكل ما يصح تعلقه به ؛ حيث إن الأشاعرة القائلين بالكلام النفسي نفوا أن يكون للفعل في ذاته حسن أو قبح ، بل حسنه وقبحه من الشرع ، فلو أمر بما نهى عنه أو نهى عما أمر به لانقلب الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، وعلى ما ذكر يلزم تعلق أمره ونهيه بالأفعال كلها . وأما بطلان التالي فواضح ؛ لما يلزم عليه من كون الفعل مأمورا به منهيّا عنه ، وهو محال ؛ لأن الأمر يستدعي تحصيل الفعل ليثاب عليه ، والنهي يقتضي ترك الفعل ليثاب على الترك . فنتيجة الأمر : الإثابة على الفعل ، ونتيجة النهي : عدم الإثابة على الفعل ، بل العقاب عليه ، وبين الإثابة واللاإثابة تناقض ، وبين الإثابة والعقاب تنافر أيضا ؛ لأنه جمع بين الشيء والأخص من نقيضه ، وكلاهما محال . والجواب عن هذا الدليل : أن الشيء القديم الصالح للأمور المتعددة قد يتعلق ببعض من تلك الأمور دون بعض كالقدرة ؛ فإنها تتعلق ببعض ما تعلقت به الإرادة دون ما لم تتعلق به . فإن قيل : مخصص القدرة هو الإرادة ، فلا بد للكلام أيضا من مخصص ، ويعود الكلام إليه ؛ فيلزم التسلسل . قلنا : تعلق الكلام ببعض دون بعض آخر كتعلق الإرادة لذاتها ببعض ما يصح تعلقها به دون بعض ؛ فلا تسلسل . أما الأدلة النقلية فمن وجوه : الوجه الأول : القرآن ذكر وهو محدث ؛ لقوله عزّ وجل : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ [ الأنبياء : 50 ] وقوله عزّ وجل : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] مع قوله عزّ وجل : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] فإنهما يدلان على أن الذكر محدث وهو القرآن ؛ فيكون محدثا ، ويكون معنى الإتيان : ما يأتيهم من طائفة من القرآن نازلة تذكرهم أكمل تذكير وتبين لهم أتم تبيين . وقوله عزّ وجل : مِنْ رَبِّهِمْ لابتداء الغاية متعلقة ب « يأتيهم » أو بمحذوف هو صفة ل « ذكر » ، وأيّا ما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه . وهو عربي ؛ لقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] والعربي هو اللفظ ؛ لاشتراك اللغات في المعنى . ومنزل على النبي - عليه الصلاة والسلام - بشهادة النص والإجماع ، ولا خفاء في امتناع نزول المعنى القديم القائم بذات الله تعالى ، بخلاف اللفظ ؛ فإنه وإن كان عرضا لا يزول عن محله لكن قد ينزل بنزول الجسم الحاصل له ، وقد روي أن الله - عزّ وجل - أنزل القرآن دفعة واحدة إلى سماء الدنيا فحفظته الحفظة ، ثم نزل منها بلسان جبريل - عليه السلام - إلى المصطفى - عليه الصلاة والسلام - شيئا فشيئا بحسب المصالح . فإن قيل : المكتوب في المصحف هو الصور والأشكال ، لا اللفظ ولا المعنى . قلنا : بل اللفظ ؛ لأن الكتابة تصوير للفظ بحروف هجائية . نعم ، المثبت في المصحف هو الصور والأشكال . فإن قيل : القديم دائم فيكون مقارنا للتحدي ضرورة ؛ فلا يكون ذلك من خواص الحوادث . قلنا : معناه أن يدعو العرب إلى المعارضة والإتيان بالمثل ، وذلك لا يتصور في الصفة القديمة . الوجه الثاني : قوله عزّ وجل : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] إذ معناه : إذا أردنا شيئا قلنا له : كن فيكون . فقوله : « كن » وهو قسم من أقسام الكلام ، متأخر عن الإرادة الواقعة في الاستقبال ؛ لكونه جزءا له ؛ فيكون حاصلا قبل وجود الشيء ، بقرينة الفاء -